لا تقتصر المواقف الصلبة، والقرارات القوية الشجاعة على من علمنا ممن قص الله علينا في القرآن أو خلّد التاريخ ذكرهم، بل ستستمر الأوطان ولّادة للأجيال التي ورثت أولئك القوم بعزائم قوية، وهمم عالية، وقلوب مخلصة، لا تثنيها الإغراءات عن خدمة دينها ووطنها..

حين يشتد سواد الليل فهذا مؤشر ومؤذن ببزوغ الفجر، قد تكون هذه العبارة خاصّة من المبتذلات التي يتحاشى تستطير ألفاظها كثير من الكتاب، وآخرون يحاولون صياغة معناها في قالب جديد من الكلم، والحقيقة أنها من الجمل التي لا يستغني عنها الناصحون والوعاظ والمربون، لما لها من تأثير في نفسية سامعها، فهي جملة تمثل وتشبه كل الأزمات والمآسي وصوارف الدهر، بسواد الليل الذي يسكن فيه الناس منتظرين يومًا جديدًا تطلع فيه عليهم الشمس، وليس ذلك معيبًا في لون الليل أو لليل نفسه، غير أن العرب وغير العرب اعتادوا على جعل الظلام وسواد الليل مضرب مثل للأزمات والكربات، ولا نستطرد هنا في تفاخر عنترة بسواد بشرته محاولاً قلب المعاني التقليدية التي ترسخت في الأذهان، ليكون بذلك الثائر المزدوج على العبودية وعلى المعاني التي منشؤها محض النظر، في قوله:

يعيبُون لوني بالسّوادِ جهالةً

ولولا سوادُ اللَّيل ما طَلع الفجرُ

فهو قد أبلغ وبالغ، وكشف عن معنى نحتاج إلى تأمله في كل نازلة وفي كل محنة وكرب، فهناك بعد كل أزمة فرج، طالت أم قصرت! وبعد كل بلاء فتح، لكن الشأن كل الشأن في الصبر على البلاء، والتعامل مع الأزمات بحنكة المتيقن بزوالها، فإنه بغير الصبر والأمل وانتظار الفرج يكاد المرء أن يستسلم لهزات الواقعة، وقد جرت سنة الله بالابتلاء في البلاء، فنوح عليه السـلام حين حل البلاء بأهل الأرض ابتلي بولده، ولكنه لم ينسق خلف رغبة الوالد في نجاة ولده، فكانت كلماته {يا بني اركب معنا} نبراسًا لكل أب في الحزم حين لا مندوحة عنه، ويوسف عليه السـلام، أصابه بلاء إخوته وتوالت عليه البلاءات فتطلب منه الصبر والجلد والثبات، وفي أثنائه يأتي الابتلاء {وغلقت الأبواب وقالت هيت لك} فكانت منه {معاذ الله} درسًا لكل من قرأ وتدبر قصته وعلم صبره وتجلده، ثم كانت المآلات "كالفجر بعد الظلام" تماماً.

أحياناً يكون الإنسان في أزمة وفي بلاء فتلوح له فرجات يظنها فرجًا وليست كذلك، بل تأكيدًا للبلاء وإطالة له، وفتح بلاء آخر قد يسوق إلى ترك دين أو خيانة وطن، وفي الصحيحين في قصة الثلاثة الذين خلفوا وهي قصة لا تخفى على من له أدنى نظر في السيرة، حين ضاقت بهم الأرض يقول كعب: "... واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار لا يطلعان رؤوسهما، فبينا أنا أطوف في السوق إذا بنصراني جاء بطعام، يقول: من يدل على كعب؟ فدلوه علي، فأتاني بصحيفة من ملك غسان. فإذا فيها: أما بعد: فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك، ولست بدار مضيعة ولا هوان، فالحق بنا نواسك. فسجرت لها التنور، وأحرقتها. إلى أن قال: إذ سمعت نداء من ذروة سلع أبشر يا كعب بن مالك. فخررت ساجداً.." ولك أن تتخيل هذا الإغراء من ملك غسان في الوقت الذي يعاني فيه كعب الهجر والشدة ممن حوله جميعاً! فلو أنه استجاب لكانت في حقه مصيبتان، ترك دين، وخيانة وطن، ولكنه "سجّر بذلك الإغراء التنور" إيمانًا منه بزوال الشدة، وبزوغ الفجر، وقد كان ذلك تمامًا، فقد أنزل الله فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، وهكذا لا تقتصر المواقف الصلبة، والقرارات القوية الشجاعة على من علمنا ممن قص الله علينا في القرآن أو خلّد التاريخ ذكرهم، بل ستستمر الأوطان ولّادة للأجيال التي ورثت أولئك القوم بعزائم قوية، وهمم عالية، وقلوب مخلصة، لا تثنيها الإغراءات عن خدمة دينها ووطنها، ولا توقعها الابتلاءات في ترك ملتها أو خيانة أهلها وأوطانها. هذا، والله من وراء القصد.