أثار تبني تنظيم "داعش" الإرهابي لتفجير سوق مدينة الصدر في بغداد مخاوف أميركية من تطوّر قدرات تنظيم داعش وشكل نشاطاته، حيث انتقل التنظيم لأول مرة منذ هزيمته قبل 3 سنوات من النشاط في البادية والريف عبر خلايا خفية إلى النشاط في أكثر المناطق ازدحاماً في العراق، ليقتل تفجير بغداد 45 شخصاً ويجرح أكثر من 60.

وبينما يتجهّز البيت الأبيض لاستقبال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يوم 26 من يوليو الجاري، للحديث عن خروج نهائي للقوات الأميركية المقاتلة من العراق، عكست تصريحات المتحدث باسم التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش" قلق الجانب الأميركي من تصاعد عمليات تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق، حيث أشار إلى ضرورة استمرار دول التحالف بمهماتها لضمان هزيمة التنظيم وعدم عودته على غرار ما حدث في العام 2015 حين عادت القاعدة إلى العراق بعد انسحاب العام 2011.

وعلى الرغم من تحذير الولايات المتحدة من تبعات هجمات الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة والمقربة من إيران على قواعد أميركا ومصالحها في العراق، تستمر الميليشيات باستهداف سيادة العراق وقدرته على هزيمة الإرهاب الذي يخطف أرواح العراقيين حيث تتصاعد الفوضى الأمنية والسياسية في العراق ممهدة الظروف لعودة داعش.

وفي حديث لـ"الرياض" مع الباحثة السياسية الأميركية - العراقية رشا العقيدي، تقول العقيدي إن هجوم داعش أتى في وقت استراتيجي وله غرض من التوقيت والمكان الذي حدث فيه التفجير، وهو إحراج حكومة الكاظمي والتأكيد على المسار الطائفي والعدواني لتنظيم داعش الذي يقتل الناس على الهوية، أما أخطر المؤشرات التي عكسها هذا التفجير فهو الخلل الموجود في الأجهزة الأمنية العراقية التي لم تتمكن حتى الآن ورغم السنوات الطويلة من التعامل مع الإرهاب من التوصل لآلية قادرة على ملاحقة الجماعات الإرهابية التي تنشط بشكل سري وخفي وتقوم بعملياتها الخاطفة من وقت إلى آخر.

مضيفةً، هناك أجنحة سياسية في العراق تكرر رغبتها بخروج الولايات المتحدة من الأراضي العراقية وإنهاء مهمة مقاتلة تنظيم داعش بحجة أن العراق بات قادراً على مواجهة الإرهاب دون مساعدة أميركية، إلا أن مثل هذا التفجير يعكس عجز المجموعات الأمنية التابعة لـ"الحشد الشعبي" والتي يقع على عاتقها عادة مسؤولية ملاحقة الخلايا النائمة لداعش في مثل هذه المناطق، حيث أظهر هذا التفجير وجود خلل في قدرتها على المواجهة وهي مهمة عراقية وليست أميركية، فالولايات المتحدة تقاتل داعش عبر الهجمات الجوية، وعبر برامج التدريب والتسليح للقوات العراقية أما ملاحقة خلايا التنظيم ومنتسبيه داخل أحياء وأسواق العراق فهذه ليست مهمة الولايات المتحدة، ومن المستحيل أن يأخذ هذه المهمة أي طرف آخر غير العراق، خاصة أن تفجير مدينة الصدر ومن خلال الفيديو الذي بثته داعش أظهر أن الإرهابي الذي قام بالتفجير هو رجل عراقي كان موجوداً على الأراضي العراقية، وخطط ونفذ في غفلة من القوات الأمنية في العراق.

حرب كبرى

في ندوة أقامها معهد العلاقات العربية - الأميركية في واشنطن، كشف الدكتور أنتوني كوردسمان -مستشار وزارة الخارجية الأميركية- عن خيارات واشنطن ورؤيتها لمرحلة ما بعد العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وقال كوردسمان: إن أكبر عائق في وجه العودة إلى الاتفاق هو خوف إيران على مستقبلها في ظل ضعفها الذي يتعزز يوماً بعد يوم بسبب العزلة والعقوبات ورفض أقرب المقربين من طهران إنقاذ اقتصادها.

وأشار كوردسمان إلى أن إيران تريد قدرات نووية، لأنها تمتلك سلاحاً وقدرات عسكرية مهترئة بالمقارنة مع محيطها سواء في دول الخليج أو إسرائيل، وإيران محرومة من شراء أي أسلحة متطورة منذ العام 1991، وهي غير قادرة على المواجهة في أي حرب مباشرة بأسطولها العسكري الحالي إلا عبر امتلاك سلاح نووي، وأسطول السلاح الجوي لإيران اليوم بات منتهي الصلاحية ولو كان في دولة أخرى لتخلّصت منه، لأنه لم يعد صالحاً للاستخدام ولا قادراً على المواجه إذا وضعت إيران في موقف يضطرها إلى استخدام سلاح الجو.

مردفاً، إيران تخصّب اليورانيوم اليوم بنسبة 60 بالمئة، وهي نسبة غير قادرة على تطوير سلاح نووي تحمّله على الصواريخ، ولكنه يثير قلق الولايات المتحدة والمنطقة رغم إدراك إيران بأنها تنتحر حين تطور سلاحها النووي وتعطي الولايات المتحدة وحلفاءها المزيد من الأسباب للقضاء على هذا النظام، خاصة أن النظام يواجه في الداخل معارضة لا تقل حدة وتهديداً لنظامه عن التهديدات الخارجية.

ويقول كوردسمان: إن إدارة جو بايدن لديها أولوية وهي العودة إلى الاتفاق مع إطالة مدته وجعله صالحاً لسنوات طويلة لضمان تقييد برنامج إيران النووي، ولكن بما أن إدارة بايدن لا تقدّم لإيران كل ما تحتاجه فإن إيران مترددة في العودة إلى الاتفاق، لأنها تدرك جيداً أن العودة إلى الاتفاق لا تعني أن طهران ستصبح صديقاً أو حليفاً للولايات المتحدة، فواشنطن ستستمر بحظر بيع الأسلحة لإيران وستستمر بالضغط على كل من روسيا والصين للامتناع عن بيع السلاح لإيران، وهذا يثير مخاوف إيران ويشعرها بأنها ستبقى من دون قدرات قوية قادرة على حمايتها في منطقة باتت تمتلك قدرات عسكرية متطورة وتعيش سباق تسليح تتأخر عنه إيران.

ويفيد كوردسمان، بأن كل حلفاء الولايات المتحدة بما فيهم الدول الخليجية وإسرائيل والأردن يخشون من إيران وما تذهب إليه ميليشياتها في المنطقة، التي باتت ميليشيات خارجة عن السيطرة، وحتى عن سيطرة إيران في بعض الأحيان بسبب الانهيارات الاقتصادية في الدول التي تنشط فيها هذه الميليشيات، ما حوّلها إلى عصابات تمتهن تجارة المخدرات والقتل والخطف واستهداف الدول المجاورة بالصواريخ، وكل ما يأتي مع الميليشيات من زعزعة لاستقرار المنطقة والأمن الإقليمي، كما أن سلوك هذه الميليشيات بات محفزاً دائماً للإرهاب والتطرف على الانتشار في المنطقة حيث تؤدي هجمات الميليشيات المدعومة إيرانياً على قاعدة عين الأسد ومناطق في أربيل إلى عودة داعش وتهديد المنطقة بحرب كبرى مفتوحة، ويرى كوردسمان، أن هجمات الميليشيات في العراق على القواعد الأميركية هي أخطر مما يتخيله هؤلاء المهاجمون، ففي حين لا تقتل هذه الهجمات أياً من منتسبي الجيش الأميركي ويتم تجاهلها من قبل الولايات المتحدة، فإن خطأ ما قد يودي بحياة مواطنين أميركيين ويؤدي إلى انزلاق المنطقة لحرب لا تحمد عقباها، لذلك بات من الضروري لإدارة بايدن أن تتعامل مع سلوك ميليشيات إيران بحذر وجدية كبرى.

ويقول كوردسمان: الإدارة الأميركية تقول لطهران تعاونوا معنا والتزموا بشروط الاتفاق النووي والتفاهمات المشتركة لكي نساعدكم اقتصادياً، ولكي تتجنبوا انهياراً أمنياً كبيراً في البلاد، فالمعارضة الإيرانية وتحرّكاتها قد تكون أقسى على طهران من أي شيء قد يأتي من واشنطن.

ويشير كوردسمان إلى تقارير البنك الدولي الأخيرة التي تغضب الشعب الإيراني، حيث أظهرت عجزاً اقتصادياً كبيراً في إيران يدفع ثمنه الشعب، حيث يغيب التمويل عن البنى التحتية والأمور الملحة التي يحتاجها المواطنون في إيران، بينما يمضي النظام الإيراني قدماً في الإنفاق على برنامجه النووي وتسليح الميليشيات.