حين يكتب القدر لنا رواية (تطوع) فنهايتها مفتوحة تشبه نهاية روايات أدب الحداثة، فنحن مغرمون باكتشاف المجهول، ونعشق تعزيز الذات، والعمل التطوعي يعطينا مساحة من إشباع الأنا المتضخمة بداخلنا، لسنا على قلب واحد عندما نتطوع لمساعدة المحتاج، ففينا المرائي، وفينا المتباهي، والصادق الذي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، نحن هكذا بنو البشر مختلفون، وتختلف أهدافنا ونوايانا تجاه كل شيء، وتقاس الدول المتحضرة بمدى وعي شعوبها بأهمية العمل التطوعي، حيث يعد العمل التطوعي الذراع التنموي الثالث للدول، من حيث مساهمة المؤسسات المدنية والأهلية في رقي مجتمعاتها ورفاهيتها، ولا أحد يختلف معي في أن التجربة تصنع شكلاً آخر للإنسان، وهي بمثابة الأداة التي تضع أبعاداً للعقل، فالإنسان ما هو إلا مجموعة من التجارب الصغيرة المتراكمة التي تنامت عبر الزمن وشكلها الاحتكاك بالآخرين، ووسط عالم يعاني اختلال الموازين كان لا بد لنا أن نخلق التوازن داخل أرواحنا التي هجرها الاستقرار، من خلال الانخراط في الأعمال التطوعية لأجل الخروج من بؤرة التمركز حول ذاتنا، والعمل التطوعي امتداد للمواطنة الفاعلة والإيجابية للمساهمة في التنمية الشاملة للمجتمعات، وفي السنوات الأخيرة أخذ التطوع حيزاً كبيراً في عالم الإنترنت، حيث ربط الناس ببعضهم من طلاب ومهنيين ومتخصصين في جميع أنحاء العالم من المهتمين والمساهمين في العمل التطوعي، وكانت وسيلة مساعدة عن طريق ربط العاملين المتطوعين ببعض في جميع أنحاء العالم، فهي وسيلة قوية لتعبئة جميع شرائح المجتمع كشركاء نشطين في بناء عالم أفضل. ومن الضروري بمكان تعزيز الأطر المؤسسية التي تدعم العمل التطوعي، فهي بمثابة تكريم لإنسانيتنا، ولا يخفى علينا حجم ومجهودات المملكة السعودية وريادتها للعمل التطوعي، حيث لا يزال تسجل لها الأسبقية للتطوع والإغاثة حتى خارج الحدود، ومشاركة جهات من القطاع الخاص السعودي ممثلة في أصحاب الأعمال ومدعومة من الغرف التجارية الصناعية للوفاء بالدور الاجتماعي إلى جانب الدور الاقتصادي في تحقيق التنمية، ولكن ماذا عن زراعة بذور التطوع في نفوس أبنائنا؟ وكيف يمكن الاشتغال على منظومة متكاملة لجعل التطوع يبدأ صغيراً مع الطفل حتى يكبر؟ أبناؤنا بحاجة لفضيلة العمل التطوعي، وقد يسأل سائل: لماذا يجب عليك أن تتطوع؟ التطوع يساعد في تعزيز السيرة الذاتية، حيث أن التطوع نوع من الخبرة وبناء المهارات، ويظهر مدى نشاطك وسعيك، وعندما تخوض في هذا العمل التطوعي فأنت تبني شبكة من الاتصالات والعلاقات مع موظفي المكان الذي تطوعت به، وقد تكوّن صداقات ناجحة من خلال التطوع الذي قد تحبه فيفتح لك آفاقاً أخرى، وربما يساعدك في بناء مسيرتك المهنية وتطوير مهاراتك، أيضاً قضاء الوقت بأعمال هادفة يزيد شعورك بالإنجاز، ويحسن من الثقة بالنفس، ويجعلك فاعلاً في ساحة الحياة الاجتماعية.