كثيراً ما يسألني متابعون في تويتر وطلاب في مقاعد الجامعة وبعض المتدربين في حلَقات التدريب عن الصداقة والأصدقاء فأقول لسائلي بعضاً مما تعلّمت وأُعرض عن بعض مما تألمت. وكوني عشت حياة اُضطررت فيها لأن أعيش في أكثر من دولة ولأنّي علّمت وتعلّمت في عشرات المدارس والجامعات فأزعم أنّه قد توفّر لي من التجارِب ما يستحق نقلها لشاب أو شابة يفتّشان عن مستقبلهما في زحمة الناس والحياة.

مدرسة الحياة كما يقال هي المدرسة الوحيدة التي تفاجئك بالامتحانات لتتعلّم منها الدروس في حين أنّ بقيّة المدارس تقدم لك الدروس ثم تمتحنك بعدها. وفي موضوع الأصدقاء تعلّمت من مدرسة الحياة كثيراً من الدروس الثمينة بعضها استفدت منها وهناك دروس تجاهلتها ناسياً أو مضطرّاً أو متعمداً، ولهذا سأعترف بأنّني لم أستفد من بعض دروس حياتي على الرغْم من قسوة تكرارها.

ومن أثمن ما تعلّمت أنّ الأصدقاء الحقيقيين في الحياة هم أجمل مباهجها وهم دواء الروح حين تصطخب الظروف. ومما تعلّمت - وأقولها لك - أنّ صدور الأصدقاء الأصيلين هي مستودع أسرارك ومخزن آمالك. تأمل حالك حينما يسعدك خبر أو يضيق صدرك لأمر ما ماذا تفعل؟ إنّ أول سلوك تفعله هو الاتصال أو زيارة صديق طالما ذخرته كنزاً لأيامك وجعلته حائط المبكى والشكوى حين تزاحمك الهموم من كل باب.

ولا تفاجأ يوماً إن وجدت ضمن دائرة من تسميهم أصدقاءك من يضره نجاحك ولا يسره فلاحك. بل ستبدي لك الأيام أنّ بعض من منحته ثقتك سيكون أول من يتاجر بخيانتك تكسباً لود خَصْم أو ابتغاء التقرب لمنافس، وحينها ستعرف أنّك لم تحسن اختيار من يستحق أن يدخل الدائرة القريبة منك أو - ودعني أقولها - ربما أنّك أنت لم تكن صديقاً وفيّاً لأحد فجوزيت من جنس أعمالك.

ولهذا لا أقول لك اختر أصدقاءك، فأنت أحياناً لا تملك هذا، خاصة أنّ هناك من يجيدون بناء العلاقات التي تظهر في صور الصداقة التي تنشدها. ما أقوله هو انتق من بين أصدقائك (معارفك) من يستحق أن تمنحه لقب صديق العمر، ولعله يمنحك لقباً مثله. ولكن تذكّر أنّك حتى تنال الصفوة من الأصدقاء لا بد أن تكون واحداً منهم.

واعلم أنّ من صفات الشخص (الذي منحته لقب صديق) أنّه لا يفرح لعثراتك ولا يبعثر أسرارك ولا يستثمر حسن نيتك بسوء. والصديق الثمين لا يغار من نجاحاتك ولا يشارك في حفلات الوقيعة بك ولا يمكن أن يكون عميل المتآمرين عليك في قول أو عمل.

مسارات

قال ومضى

الخصوم الأشداء أحسن من يكشف لك معادن الأصدقاء.