إن ملاحظة سمو ولي العهد على شركات التطوير العقاري في المملكة موجهة لجودة المنتج العقاري وقدرته على المساهمة في تطوير البنية العمرانية في المدينة السعودية أكثر من أي شيء آخر..

قبل عدة أسابيع طُلب مني أن أتحدث عن العلاقة بين التطوير العقاري والعمارة في ملتقى أسبار، إذ يبدو أن المدن في العالم أجمع صارت تتشكل من الناحية الفراغية والبصرية نتيجة للنشاط العقاري المحموم الذي يبدو أنه تجاوز مفاهيمه التقليدية، وبدأ يقدم منتجاته العمرانية على شكل مشاريع كبرى يمكن أن نطلق عليها "مدناً صغيرة" داخل المدن الكبيرة الآخذة في الاتساع.

ركز حديثي على فكرتين، أولاهما هي: كيف يفكر العقاري؟ ويبدو أن هذه المسألة قادتني إلى الحديث عن الاتجاه السائد في التطوير العقاري، وهو التوجّه الاقتصادي والتشريعي/ التنظيمي الذي يحكم النشاط العقاري ويحدد عوائده ويضمن للمستثمرين والمستفيدين من هذا النشاط حقوقهم، لكن لهذا النشاط أبعاد عميقة على "جودة الحياة" في المدن وعلى شكل المدينة وتنميتها. فالعقاري من وجهة نظري يفكر في الجانب التجاري، أكثر من أي شيء آخر، والمشاريع ذات الأثر الإيجابي العميق قليلة بشكل عام في مدننا نتيجة لطغيان التجارة على جودة الحياة المدنية. ونتيجة لهذا التفكير نجد أن العلاقة بين المطور العقاري والمعماري والمخطط ليست عميقة وليست مبنية على وجود حدود دنيا من المعايير العمرانية التي تحترم المدينة وساكنيها.

في اعتقادي أن ملاحظة سمو ولي العهد على شركات التطوير العقاري في المملكة موجهة لجودة المنتج العقاري وقدرته على المساهمة في تطوير البنية العمرانية في المدينة السعودية أكثر من أي شيء آخر. وإذا ما عرفنا أن أغلب النشاط العقاري يصب في البيئة السكنية، أي خلق المجاورات السكنية التي نراها في مدننا اليوم، فهذا يجعلنا نتوقف ونسأل سؤالاً جوهرياً هو: هل التطوير العقاري ساهم في تطوير عمران المدينة السعودية أو العكس من ذلك؟ ويبدو لي أن هذا السؤال الجوهري غير المطروق للأسف يستحق أن يكون محوراً للدراسات العقارية المستقبلية، وأذكر هنا أنني قمت بعدة دراسات على تطور البيئات السكنية في عدد من مدن المملكة خلال الخمسة عقود الأخيرة، ووجدت أن البيئات لم تخضع لتطور عمراني منهجي تراكمي بل إنها تكرر الأخطاء نفسها، وتعيد إنتاج البيئات السكنية نفسها التي لا تحتفي بسكانها. والأمر الأكيد أن ما حدث ويحدث هو نتيجة لمنهج التفكير لدى المطور العقاري الذي يقدم المكاسب الاقتصادية على الجودة العمرانية.

وبالطبع لا أريد أن أبدو مثالياً هنا، فلن يكون هناك مستثمر في العقار إذا لم تكن هناك عوائد مجزية، لكن السؤال هو: هل تلغي الجودة العمرانية العالية للمنتج العقاري مكاسبه الاقتصادية؟ يشكك كثير من الزملاء في جودة المنتج العقاري، ففي العام 2006م، فقط، بدأ مفهوم التطوير الشامل في المخططات العقارية بدءاً من مدينة الرياض، وقد كانت مبادرة من سمو أمين الرياض آنذاك الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف. ومع ذلك فإن هذه الفكرة لم تنضج حتى اليوم، ولعل غياب التشريعات العمرانية أو عدم وضوحها ساهما بشكل كبير في عدم النضوج هذا. ولابد لي هنا أن أشير إلى تجربة الجارات القريبة (مدن دول مجلس التعاون)، في تلك الفترة، فهي تجارب مثلت نوعاً من المرآة التي جعلت المسؤولين عن إدارة المدن في المملكة يعيدون التفكير في مسألة التطوير العقاري الذي بدأ يتطور بشكل متسارع في تلك المدن. ولعل التحولات الأخيرة التي ساهمت في ظهور مشاريع عقارية عملاقة مثل مركز الملك عبدالله المالي في مدينة الرياض والمشاريع الأخرى الأصغر هي نتيجة لهذا التقييم الذاتي.

المسألة الثانية هي أن أسواق التطوير العقاري المتطورة تعتمد بشكل كبير على وجود مراكز أبحاث وتطوير عمرانية تقوم بدور "المرصد العقاري"، فمثلاً أشعر باستغراب شديد أن وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان لم تؤسس حتى الآن أو حتى تفرض على شركات التطوير العقاري تأسيس مركز أبحاث وتطوير، لرصد التحولات التي تحدث في الأسرة السعودية وعلاقة ذلك بالمتطلبات السكنية. إحدى الأدوات الأساسية التي تساهم في تطوير النشاط العقاري وجود منهجية بحثية معتمدة تسمى "دراسات ما بعد الإشغال"، وهي منهجية علمية تهدف بالدرجة الأولى للتعلم من الخبرات العقارية السابقة وتلافي أخطائها. والأسواق العقارية في الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على هذه المنهجية وتوجد هناك مراكز متخصصة للقيام بهذه الدراسات. مع أنني أرى أهمية أن يكون لدينا مراكز دراسات عقارية تقوم بما سميته "دراسات ما قبل الإشغال"؛ كون هذا النوع من الدراسات سوف يمكننا من وضع البنية الثقافية والاقتصادية للنشاط العقاري بشكل صحيح، وربطه بجودة الحياة والمنتج العمراني في مدننا قبل البدء فعلاً في التخطيط لأي مشروع عقاري مستقبلي وفهم تأثيره على المدينة على مستوى الشكل والأنشطة.

من الواضح أن تطوير المدينة صناعة معقدة جداً، وتتداخل فيها العديد من العوامل التي تدفعنا بقوة إلى إنشاء مراكز للعمران أو الدراسات العمرانية، وأذكر أنني قبل أكثر من عقدين طرحت فكرة إنشاء مركز وطني للدراسات العمرانية في هذه الصحيفة الغراء، والفكرة مازالت مطروحة، خصوصاً مع تطور النشاط العقاري ودخول المشاريع السياحية العملاقة على الخط وبناء المدن الجديدة والأهداف الكبيرة لرؤية 2030 التي تسعى إلى جعل 3 مدن سعودية ضمن أفضل 100 مدينة على مستوى العالم.