عندما كنت أطالع صحيفة اليمامة الأعداد القديمة، المجلد الأول والثاني منذ صدورها حتى عام 1374هـ السنة الثانية الذي طبعه مركز حمد الجاسر الثقافي مشكورًا، لفت نظري كاتب قصصي ملتزم بالكتابة في كل عدد من صحيفة اليمامة منذ صدورها عام 1372هـ؛ ألا وهو القاص الاجتماعي خالد بن محمد الخليفة الذي يُعد رائدًا من رواد القصة القصيرة السعودية؛ بل الخليج العربي، وكذا العالم العربي، هذا القاص منذ أن بدأت أكتب في صفحة "سطور المشاهير" وأنا أتابع سيرته، وأذكر أنني سألت المؤرخ عبدالرحمن بن رويشد - رحمه الله - من سنوات عنه وذكر لي أنه يعرفه من قديم، وأنه عمل مدة من الزمن مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز - رحمه الله - حينما استقر بالرياض، ثم زميلاً له بوزارة المعارف، وسألت عنه شيخنا عبدالرحمن بن شعيل - رحمه الله - وقال: "إننا كنا نزوره في منزله بالمربع، وهو من أوائل من استقدم الأفلام السينمائية في الرياض كفرد"، ولهذا حرصت أن أكتب عنه وعن محطات حياته ورحلته في مسيرة الحياة.

هو خالد بن محمد الخليفة، ولد في قرية ثول قرب رابغ، من مواليد عام 1330هـ -1911م، تعلّم في المدارس التي كان يتولاها الاستعمار البريطاني في مصر والسودان، ولهذا اتقن الانجليزية وأصبح مرجعاً فيها ومترجماً من الانجليزية إلى العربية والعكس، وهذا ما سوف نعرفه عن الوظائف التي تعيّن فيها.

جاء إلى الرياض - كما يقول هو - أواخر الخمسينات من القرن الماضي الهجري في لقائه بجريدة الجزيرة بزاوية "ضيف الجزيرة" الذي أجراه معه محمد الوعيل - رحمه الله - بتاريخ 21 / 5 / 1406هـ، حيث وصف الرياض أنها صغيرة، وقبلها كان في مكة وهناك ابتدأت حياته الوظيفية، لكن الرياض كانت هي عشقه الأول والأخير كقرية صغيرة محاطة بالأسوار من جميع جوانبها، وقد كتب عنها وعن التاريخ الاجتماعي فيها وشاهد تطورها وتمددها لحظة بلحظة حتى وفاته عام 1411هـ.مجتمع الرياض

يُعد خالد الخليفة - رحمه الله - من مؤرخي الحياة الاجتماعية في الرياض، إن لم يكن أول من كتب عن الحياة الاجتماعية في الرياض من خلال القصص التي يكتبها أو من عبر مقالاته في صحيفتي الرياض والجزيرة وخصوصاً زاويته التي كان يكتبها في التسعينات الهجرية بعنوان: "يوميات الرياض" التي كانت تسلط الضوء على الحياة الاجتماعية في الرياض والذكريات فيها، ويستحق القاص والأديب الرائد دراسة عن إنتاجه الأدبي القصصي الذي نشره وعن كتابته للحياة الاجتماعية فضلاً عن أنه كتب المسرحية، ودوّن القصيدة لكنه عرف كاتباً أكثر من كونه شاعراً.

أمين أول

وبما أن خالد الخليفة - رحمه الله - متعلِّم ويجيد الانجليزية كتابة وتحدثاً وخصوصاً في الترجمة الفورية كانت له فرصة ثمينة بالالتحاق بالديوان الملكي، فقد عُيِّن كأمين أول في التشريفات الملكية بالمراسم الملكية، وكذلك مترجم للملك سعود والملك فيصل والملك خالد - رحمهم الله -، وبهذه الوظيفة تعرّف على السلك السياسي والدبلوماسي ومنحته هذه الوظيفة خبرات عميقة، وذكر د. بكري شيخ أمين في هامش كتابه (الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية) مترجماً للأديب خالد الخليفة قائلاً: "أتقن الانجليزية والعربية، وُظِّف في ديوان ولي العهد - أي الملك سعود -، ثم نقل إلى التشريفات الملكية ولا يزال بها - أي عند كتابة الكتاب -.

ويروي الخليفة بعض ذكرياته حينما كان موظفاً في الديوان الملكي في عهد الملك سعود - رحمه الله - حيث ذكر أنه عمل مترجماً في بداياته ثم لمّا أنشئت المراسم الملكية انتقل إليها عندما كان رئيس المراسم الشيخ صالح إسلام - هذا ما رواه في لقائه بجريدة الجزيرة -، والغريب جداً أن إتقان الترجمة لدى خالد الخليفة كان من الاطلاع على كتب اللغة الانجليزية - كما يروي في لقائه بجريدة الجزيرة - وهذا دليل على الذكاء وقوة الاستيعاب لما يقرأ، فالتحدث بالإنجليزية قد يستفاد من خلال التلقي والمخالطة الدائمة حتى ولو كان الرجل أمياً، لكن الترجمة الفورية وخصوصاً مع الملوك والرؤساء حيث الدقة المتناهية والأمانة الحرفية للترجمة وأن يكون المترجم ذا وعي ومتابع للأحداث، والخليفة مثقف ثقافة عصرية وحديثة ويقرأ ما يكتب باللغة الانجليزية في الصحافة الأجنبية، ومن جانب آخر فإنه قد انتقل إلى وزارة المعارف مديراً للعلاقات والنشر وكان آخر منصب له وبعده تقاعد.

اطلاع ميداني

وعمل خالد الخليفة - رحمه الله - مع الملك سعود - رحمه الله - مترجماً له، وقبلها عمل معه حينما كان وليًا للعهد، يقول عن ذكراه عن الملك سعود: "الملك سعود كان حكيماً وكريماً وشجاعاً وعطوفاً جداً وباراً وصولاً بأهله، حديث مجلسه كان لا ينقطع عن سرد فتوحات وأمجاد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - والتعليمات التي قدمها من أجل توحيد هذا الكيان.

وكما قلت إن قُرب خالد الخليفة من الملك سعود والملك فيصل والملك خالد - رحمهم الله - كمترجم ثم مسؤول أول في المراسم الملكية أكسبته خبرة وزاد هذه الخبرة مرافقته لملوك المملكة بالسفر معهم في رحلاتهم للبلدان العربية والأجنبية واللقاء بالرؤساء والملوك والمسؤولين بما أثر كثيراً في اطلاعه الميداني السياسي.

شفرة البرقيات

وكان خالد الخليفة - رحمه الله - أتقن لغة الشفرة الخاصة بالبرق، وعمل في مكة في هذا المجال قبل أن ينتقل إلى الرياض مترجماً لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز - رحمه الله - في قصره بالرياض؛ لأن عمله في قصر الأمير محمد كان البوابة التي انطلق منها للعمل في الديوان الملكي والمراسم الملكية، ثم عشقه الأول والأخير لمدينة الرياض التي كان عشقه لها يجري في دمه - كما قلت سابقاً - وبدأ يؤلف كتاباً عن مدينة الرياض بعنوان "ربع قرن في الرياض" هذا ما أورده العلامة على جواد الطاهر - رحمه الله - في كتابه "معجم المطبوعات" نقلاً عن جريدة الجزيرة التي نشرت الخبر بتاريخ 26 / 8 / 1387هـ وعلّق الطاهر قائلاً: "ولكن هذا الكتاب لم يصدر".

قصة قصيرة

وخالد الخليفة - رحمه الله - موهوب؛ فهو كاتب قصة وكاتب مقالة ومسرحية، كانت قصصه مسلية ممتعة وطريفة، وفيها من الفكاهة والسخرية، وفيها رسائل ورموز لبعض سلبيات المجتمع وأمراضه، وكذلك فهو كاتب قصة من الدرجة الأولى، وقصاص ممتاز ولغته سهلة وسلسلة وجذابة، كان يكتب في صحيفة اليمامة منذ صدورها عام 1372هـ واستمر مدة طويلة، وهو ملتزم بهذه القصص القصيرة الاجتماعية التي تحكي عن مجتمع الرياض قديماً، كانت كاميرته القصصية فنية بجدارة يسلسل أدوار أبطال القصة، فالسيناريو للقصة ممتاز، انظر مثلاً قصته التي نشرها في صحيفة اليمامة بتاريخ 1374هـ السنة الثانية، العدد الأول، بعنوان: "قلوب تتحطم" يصوِّر الخليفة ذاك الأب العابس المتجهم ذا الشارب الطويل المفتول حينما يصر على ابنته الصغيرة أن تتزوج الشيخ المسن في خريف عمره، وهذه الفتاة أمام تسلط وجبروت أبيها لم تستطع إقناع أبيها برفض هذا الشيخ المريض صاحب السعال، وكانت تحب ابن هذا الشيخ وهو إبراهيم، وكانت الفتاة قد اتفقت مع إبراهيم أن تتم الخطبة بعد الحج وفي نهاية القصة تحدث المفاجأة في مجلس عقد القران لهذا الشيخ المسن مع ابنه، حيث تنازل لابنه أن يتزوج الفتاة التي كان يحبها، لكن الفرحة لم تكتمل حيث وجدت الفتاة قد ماتت قبل وصول هذا الخبر المفرح التي كانت تنتظره من سنوات، ماتت بصدمة من أبيها وذهل الشاب المسكين وأصابه الجنون، يقول خالد الخليفة في ختام هذه القصة وآخر فصولها المحزن الكئيب، ويرى الناس - أي ذلك الشاب - رجلاً أشعث أغبر كث اللحية ممزق الثياب عند قبر من قبور تلك القرية - قبر الفتاة - لقد كان في يوم من الأيام شاباً قوياً مهذباً باسماً تضحك له الدنيا ويضحك لها، فلا يُرى الآن إلاّ باكيًا عند ذلك القبر - انتهت القصة -.

وليست قصص الخليفة محزنة مثل هذه لكنه يعالج أمراً واقعياً كان سائداً في ذاك الزمن، وهو إجبار الفتيات الصغيرات للزواج برجال أكبر منهن بكثير هم في درجة آبائهن أو أجدادهن، هذه هي قصص خالد الخليفة الاجتماعية من البيئة المحلية الواقعية وليست خيالا.

إذاعة بريطانية

ولعل خالد الخليفة - رحمه الله - من أوائل السعوديين الذين تذاع قصصهم في (بي بي سي) الإذاعة البريطانية؛ حيث أوردت صحيفة اليمامة الحبيبة إلى قلب الخليفة، ونص الخبر هكذا: "كتب خالد الخليفة قصة بعنوان في "وادي عبقر"، وقد اشترتها محطة الإذاعة البريطانية واحتفظت بحق إذاعتها ونشرها مدة ستة أشهر، وقد أذيعت من تلك المحطة" - نشر الخبر في اليمامة العدد الأول لعام 1374هـ السنة الثانية -، وهذه القصص هي مجموعة قصصية بأسلوب أدبي رفيع يدل على تمكنه من الصياغة العربية التراثية الراقية، ورمزه لوادي عبقر من التراث الذي يبرر ما يصدر من الكاتب والشاعر من ألفاظ بداخلها بعض الخيال المنسوب للجن في الثقافة الغربية، ومن جانب فإن للقاص المبدع خالد الخليفة مجموعة قصصية بعنوان الأستاذ حميد كما ذكر هذا العلامة على جواد الطاهر في كتابه معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية وطبعت عام 1378هـ، وقد بقيت عدد من المخطوطات من القصص والروايات التي كتبها بخط يده ولم تنشر بعد.

أب روحي

ومن ذكريات خالد الخليفة - رحمه الله - التي سردها في لقاءه بجريدة الجزيرة أنه عندما وصل الرياض لأول مرة مترجماً في قصر الأمير محمد بن عبدالعزيز - رحمه الله - أمر سموه الشيخ سليمان بن رويشد - رحمه الله - أن يعتني بخالد الخليفة وأسرته، وقال الخليفة: إن سليمان بن رويشد الأب الروحي لي وهذه الكلمة لها مدلولها الكبير في نفس الخليفة ولا يمكن أن تقال هذه الكلمة مجاملة من شخصية أدبية ومثقفة وواعية.

وتحدث د. محمد بن سليمان بن رويشد عن علاقة خالد الخليفة بوالده وأسرة الرويشد قائلاً: "لم أتشرف بلقاء خالد الخليفة، ولكني تعرفت عليه من خلال أعماله الأدبية الرائعة، ومن الأحاديث الطيبة التي سمعتها من أفراد أسرتي العم سعد بن رويشد والأخ عبدالرحمن بن رويشد - رحمهما الله - كما جعلني أشعر بقربه من الأسرة أو بمدى حب وتقدير أسرتنا له ولعائلته الكريمة، كما حظيت بزمالة ابنه عبدالعزيز بن خالد الخليفة بكلية العلوم بجامعة الرياض - جامعة الملك سعود حالياً - في المدة من 1391هـ - 1394هـ، ولا شك أن خالد الخليفة يمثل قامة أدبية، ومن الجيل الذي تتلمذ على يديه الكثير من الأدباء في المملكة العربية السعودية".

فريق رياضي

ومن الذكريات في الزمن الماضي بما فيه من حلو ومر يذكر خالد الخليفة في ذكرياته في مدينة الرياض أنه ومجموعة من الشباب هم أول من كوّن فرقة رياضية في الرياض، ويروي في ذكرياته أن هذا الفريق كان يتكون من محمد الصايغ وعبدالله أخضر مساعد ورئيس المراسم الملكية ويوسف عابد وعبدالحميد مشخص وعبدالله مختار أحمد خليفة؛ هؤلاء هم الأساس في الحركة الرياضية في الرياض، وكان يرأس الفريق الرياضي هذا إسماعيل أبو صبّاغ - صومالي الجنسية - وتم انتخاب محمد الصايغ رئيساً للفريق، وتم عمل لجنة وسكرتير وأمين صندوق وأعضاء آخرين، هذا ما يستذكره القاص المبدع والمترجم عن أول فريق رياضي لكرة القدم في الرياض، وهذا ما رواه في ذكرياته في جريدة الجزيرة في العدد المذكور بتاريخ 21 / 5 / 1406هـ.

وللخليفة زاوية في الجزيرة بعنوان "اسألوني"؛ فشخصية الخليفة كانت إعلامية شارك في وسائل الإعلام المتاحة سواءً بالكتابة أو بالتعاون مع وزارة الإعلام، حيث ارتبط بالوزارة مترجماً لقناة التلفزيون السعودي للأفلام الأجنبية، حيث أوكلت إليه مراقبة وترجمة الأفلام والمسلسلات الأجنبية، وكذلك مراقبة البرامج والأفلام والمسلسلات العربية.

وحصل خالد الخليفة - رحمه الله - على أوسمة وشهادات، بحكم عمله في الديوان الملكي وفي المراسم الملكية ومرافقة الملوك في زيارات رسمية لدول أجنبية وعربية، كما تم تسليمه مفتاح مدينة بولدر بولاية كلورادو بالولايات المتحدة الأمريكية على إثر فوزه في مناظرة عن الدين الإسلامي وحصل على شهادة تكريم من عمدة المدينة، وذلك بتاريخ 8 يناير 1971م.

كان بشوشاً أريحياً

ويُعد عبدالله نور - أديب وكاتب - ممن لازم خالد الخليفة - رحمه الله - وكان يزوره باستمرار في منزله واستفاد منه كثيراً، وتلقى عنه، فكان عبدالله نور وفيًا معه حينما بلغه خبر وفاته فكتب مقالاً قيماً يصف فيه مآثر أستاذه وموجز رحلته الأدبية، يقول الأديب عبدالله نور عن الخليفة: "كان - رحمه الله - في زمانه عامراً بمكارم الأخلاق بشوشاً أريحياً سريعاً إلى النجدة مضيافاً، وكانت داره عامرة بالكبراء والأدباء والشعراء الكبار والصغار، وكانت عامرة بالجديد والغريب والطرائف، وكانت حاله مع الناس وسيطة وبسيطة في منزله، كريمة بين أكثرهم غنىً وأقلهم وأصغرهم، بل كان مع ذلك غير طامع فيما لا يملك ولا يسرف إذا ملك، وغير متزيد فيما لا يعلم، ولا هو بالمماري فيما علم"، ويضيف أنه سمع أول مرة الراديو في منزل خالد الخليفة ولعل ذلك الراديو كان الوحيد في حارتنا، وشاهدت في منزله أول مرة السينما وجهاز الأسطوانة، ولا أبالغ أنني ركبت السيارة لأول مرة، وكانت سيارته، ثم يقول نور: "لم أكن وحدي من تتلمذ على يديه أو أول من حظي بالدخول إلى دنيا مجهولة من بوابة الخليفة، فهناك الكثيرون وهم من الوزراء والأعيان والأدباء والشعراء"، ويذكر نور عن أستاذه الخليفة قائلاً: "أستاذنا الراحل خالد خليفة صاب أولويات كثيرة ومتعددة؛ فقد كان أول من كتب القصة القصيرة والقصة التمثيلية، وأشهر قصة عرفها الناس وضحكوا مع أبطالها هي قصة "بادحدح"، وهي أول قصة تمثيلية تذاع في الراديو في إذاعة مكة المكرمة".

81 عاماً

وفي عام 1411هـ بتاريخ الخامس عشر من شهر شعبان توفي شيخ القصة القصيرة في الرياض والإعلامي والمترجم خالد الخليفة عن عمر 81 عاماً، رحمه الله وغفر له.

أشكر الأخوات د. هند الخليفة وسلوى الخليفة وليلى الخليفة على تزويدي بسيرة والدهن وصوره، والشكر موصول للأخ علي بن سالم بلخير الذي أوصلني بكريمات الأديب خالد بن محمد الخليفة.

الملك فهد ويظهر أمامه خالد الخليفة
خالد بن محمد الخليفة «رحمه الله»
الخليفة في مكتبه داخل منزله
أوسمة مقدمة لخالد الخليفة خلال فترة عمله في التشريفات الملكية
صلاح الزامل