المادية متجذرة في العقل الغربي الحديث وذلك بسبب ابتعاد هذا العقل عن الجانب  الروحي وتغليبه للحس المادي. ولعل أبرز الدلالات الكاشفة لها قراءتها للعلاقة ما بين الاسلام والفكر الغربي على أسس مادية والتي انطلقت من مرجعية استشراقية في محاولة لرسم صورة مغايرة عن الإسلام بهدف تمرير توجهات سياسية وأيديولوجية بعيدًا عن المنهجية الموضوعية مما يتطلب معرفة مغزى تلك الكتابات والدلالة التي تنطوي عليها ومناقشتها بطريقة عقلانية واضحة

عندما نقرأ في كتاب [ترجمة معاني القرآن الكريم] للمستشرق النمساوي محمد أسد والمداولات التي دارت حوله نجد أن منهج محمد أسد في هذا الكتاب لا يختلف كثيرًا عن منهج أحمد سيد خان في كتابه [تفسير معاني القرآن الكريم] والذي كان يسعى من خلاله إلى محاولة إيجاد مواءمة ما بين الإسلام والفكر الغربي المعاصر وذلك عن طريق تأويل الدين وتفسير تعاليمه في ضوء المعارف العصرية الحديثة.

وقد أشارت دراسة [مفهوم تجديد الدين] إلى أن محمد أسد في كتابه ما هو إلا نسخة أوروبية لمنهج سيد أحمد خان الذي يرى "أنه في ضوء الظروف الجديدة وتوسع المعرفة الإنسانية لا يمكن الاعتماد في فهم القرآن على التفاسير القديمة وحدها ولكن ينبغي الاعتماد على نص القرآن وحده".

مضيفاً: "أنه من خلال معرفتنا وتجاربنا الذاتية يمكن لنا أن نفسر القرآن الكريم تفسيرًا عصريًا" .

وأن المفتاح الأساسي لفهم القرآن في نظرهما هو في قوله تعالى "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات".

القراءة الأولى للسيرة الفكرية لمحمد أسد تقول: بأنه في الأصل مستشرق نمساوي كان في أول أمره مراسلًا للصحف الأوروبية في الشرق الأوسط وبعد تجوال في ربوعه هداه الله فأعلن إسلامه في عام 1926م انتقل بعدها للهند ومكث فيها مدة طويلة وكانت له صلات قوية بالحركة الفكرية فيها، وبعد إنشاء حكومة باكستان عمل في خدمة حكومتها حتى استقال من خدمتها عام 1952م وكان يشغل منصب ممثلها في الأمم المتحدة.

وقد عرفه العالم العربي من خلال أول كتاب ترجم له إلى اللغة العربية بعنوان [الإسلام على مفترق الطرق] وصدرت الترجمة عام 1946م واشتهر وذاع صيته بسبب هذا الكتاب الذي لاقى انتشارًا واسعًا يتضح ذلك من تعدد طبعاته. 

ومن خلال هذا الكتاب يبدو فكر محمد أسد ورؤيته وبخاصة لمعايب الحضارة الغربية ولأخطار تقليدها ولمزايا الإسلام عليها. 

ولما كان محمد أسد من أبناء الغرب وأهله أحدث نقده للحضارة الغربية وشهادته للإسلام تأثيرًا قويًا ولاقى رواجًا وإعجابًا.

ولكن كتب محمد أسد الأخرى لا تعطي الانطباع الذي يعطيه كتابه السالف، وإذا استبعدنا كتابه [الطريق إلى مكة] الذي هو قصة أدبية رائعة عن الثلاثين سنة الأولى من حياته واعتناقه للإسلام إلا أنه لا يعد كتابًا فكريًا ولكن كتبه الأخرى [منهاج الإسلام في الحكم] و[ترجمة لصحيح البخاري] إلى الإنجليزية تنضح بفكر عصراني حتى أن المرء لا يجانب الصواب كثيرًا إذا وصفه -وبخاصة في ترجمته لمعاني القرآن والحواشي والهوامش التي ضمتها الترجمة- بأنه نسخة أوروبية لأحمد سيد خان أعظم مفكري العصرانية، ولذلك فإنه لتأثره بالمناهج الغربية في النظر إلى الدين لم يستطع أن يتخلص من بقاياها فأقبل في الإسلام يؤول ويفسر كل شيء في حدود عالم الحس وأذواق الغرب.

وعلى ضوء ذلك يقدم لنا محمد أسد -تمامًا كسيد خان- أنموذجًا متكاملًا للفكر العصراني الإسلامي إذ لم يقتصر فكره على دائرة واحدة من دوائر الإسلام بل شمل العقائد والتفسير والحديث والفقه. 

وكتاب محمد أسد [ترجمة معاني القرآن الكريم] في مجمله قريب الشبه بكتاب أحمد سيد خان [تفسير معاني القرآن الكريم]  والذي يقصد من ورائه تفسير الإسلام والقرآن تفسيراً يطابق ما وصلت إليه المدنية في القرن التاسع عشر في الغرب. وقد تطرق المستشرق [جب] في كتابه [الاتجاهات الحديثة في الإسلام] والذي هو عبارة عن ست محاضرات ألقاها في جامعة شيكاغو عام 1946م إلى حركة التجديد العصراني التي يتزعمها أحمد سيد خان واصفاً إياها بأنها حركة ضعيفة لا تقارب قوة الإسلام المحافظ وأنها لا تشكل تياراً منتظماً من النظريات الفكرية.

ويستمر [جب] في تحليله قائلًا [إن المبدأ الأساسي للعصرانية ينحصر في المطالبة بالحرية الواسعة للبحث في المصادر الإسلامية واستخدام الفكر الحديث في تفسيرها دون اهتمام بآراء الفقهاء والعلماء الأوائل].

ويرى بأن مدرسة سيد خان في استخدامها مبدأ الملاءمة مع الطبيعة conformity to nature ورفض مبدأ المعجزات أوقعها في أقصى درجات التطرف الفكري تحت ستار العلوم الطبيعية.

وينتقد المستشرق جب كتابات العصرانيين ويرى بأنه مهما كان تعاطفه مع أهداف العصرانيين وجهودهم إلا أنه يرى أن أغلب كتاباتهم صادمة في طريقة المناقشة وبحث الحقائق وكأنهم عاجزون عن التصرف بما لديهم من أفكار وربما أنهم يرغبون في بلوغ نتيجة مرسومة سلفاً ويرى أن هذا الفكر لا زال في بداية الطريق وأن العصرانيين يتبنون وجهة النظر الغربية في كثير من إصلاحاتهم. 

ويتضح من التحليل النهائي أن المادية متجذرة في العقل الغربي الحديث وذلك بسبب ابتعاد هذا العقل عن الجانب  الروحي وتغليبه للحس المادي. ولعل أبرز الدلالات الكاشفة لها قراءتها للعلاقة ما بين الاسلام والفكر الغربي على أسس مادية والتي انطلقت من مرجعية استشراقية في محاولة لرسم صورة مغايرة عن الإسلام بهدف تمرير توجهات سياسية وأيديولوجية بعيدًا عن المنهجية الموضوعية مما يتطلب معرفة مغزى تلك الكتابات والدلالة التي تنطوي عليها ومناقشتها بطريقة عقلانية واضحة ومقنعة فالاعتماد على الوجهة الأوروبية في عرض العلم والفكر يفضي إلى أن تطور العالم قام على أساس تجارب أوروبية، هذا التثقيف التاريخي يعرض غير الأوروبيين إلى الشعور بالنقص فيما يتعلق بثقافتهم وماضيهم التاريخي ومستقبلهم وسوف يحتاج جزء كبير من العالم إلى وقت طويل حتى يتلافى هذا النقص وإلى أن يحين ذلك الوقت فإننا كعرب سنظل مضطرين إلى أن نتناول العلوم والأفكار الحديثة عن طريق الغرب ولكن لابد أن يكون لنا في هذا العصر من ثوابت نركن إليها وأن نراجع دائماً موقفنا الفكري حتى لا نقع في حيرة فكرية.