الشهرة قد تأتي نتيجة أعمال إبداعية تراكمية، وقد تكون نتيجة عمل واحد على طريقة (بيضة ديك)، وقد تحظى هذه البيضة بمعلقات من المديح، ويصبح صاحبها ممن تلاحقهم الجماهير بصرف النظر عن مستوى أعماله بعد تلك البيضة..

كان عازف الكمان جوشوا بيل، وهو من المبدعين على مستوى العالم يمارس العزف لمدة 45 دقيقة في محطة مترو بمدينة واشنطن، لم يتوقف خلال تلك المدة إلا عدد محدود من الناس للتبرع بشيء من المال، لم يجذب الاهتمام وكان كثير من الناس يمرون دون توقف. قبل عرض محطة المترو قدم هذا الفنان عرضاً في مدينة بوسطن، كان سعر التذكرة 100 دولار، وسعر الكمان 3.5 ملايين دولار. مقاعد المسرح كانت محجوزة بالكامل.

يتساءل مؤلف كتاب أساليب الإقناع السيد نيك كوليندا: (لماذا لم يأبه الناس لأدائه في محطة المترو، لماذا قام معظم الناس بالمرور بكل بساطة دون التوقف للاستماع لموسيقاه المدهشة، هل من الممكن حقاً لشخص أن ينبهر بأداء بيل على المسرح ومع ذلك يبقى غير متأثر به بالكامل في محطة المترو؟) يجيب المؤلف على تساؤلاته: كلما طورنا توقعاتنا لحدث معين صاغت عقولنا تصورنا لهذا الحدث ليتناسب مع توقعاتنا، نحن نرى ما كنا نتوقع أن نراه، نسمع ما كنا نتوقع أن نسمع، ونشعر بما نتوقع أن نشعر به.

تلك تساؤلات المؤلف وإجابته عليها.

وللموضوع زاوية أخرى ذات علاقة بالشهرة. يقال لك إن فيلماً معيناً فيلم رائع يستحق المشاهدة لأن بطل الفيلم نجم يتمتع بشهرة طاغية. هنا تكون التوقعات المسبقة عالية والإقبال على مشاهدة الفيلم غير مسبوق، ما يحدث أحياناً أن الانطباع بعد مشاهدة الفيلم قد لا يكون إيجابياً بسبب تأثير التوقعات العالية. في المقابل قد تشاهد فيلماً لبطل لا تعرفه وليس لديك توقعات مسبقة فيفاجئك الفيلم بمستوى باهر.

الإنسان الذي يملك الموهبة والمهارات في أي مجال سيجذب الجمهور ويحظى بالإعجاب حتى من دون حملات إعلانية. هذا الرأي يقود إلى سؤال: لماذا لم يتحقق ذلك للفنان المشهور في محطة المترو؟ هذا سؤال منطقي. ونجيب عليه بسؤال، هل لو عرف المارة في محطة المترو أن العازف على الكمان هو الفنان المشهور جوشوا بيل، هل سيتزاحمون لمشاهدته؟

الشهرة قد تأتي نتيجة أعمال إبداعية تراكمية، وقد تكون نتيجة عمل واحد على طريقة (بيضة ديك)، وقد تحظى هذه البيضة بمعلقات من المديح، ويصبح صاحبها ممن تلاحقهم الجماهير بصرف النظر عن مستوى أعماله بعد تلك البيضة.

لا أتحدث هنا عن عازف الكمان الذي لا أعرفه وإنما أتحدث بشكل عام عن تأثير الشهرة وأحياناً خداعها، وتأثير التوقعات التي لا تتطابق دائماً مع النتائج. في عالم الرياضة يتعاقد النادي مع مدرب لأنه مشهور، وترتفع التوقعات ولا يتحقق المتوقع. لماذا؟ لأن المدرب المشهور يعيش في الماضي، ويستمتع به، وليس لديه طموح مثل المدرب المغمور. حضر أحد الأصدقاء مرة محاضرة لعالم مشهور حاصل على جائزة نوبل، بعد المحاضرة سألته عن انطباعاته، لم يكن مبهوراً كما كان يتوقع!

في كل المجالات والأنشطة والفعاليات والفنون، إذا أردت الحصول على انطباعات وآراء مستقلة، لا تزود المشاهد بمعلومات أو توقعات مسبقة، لا تفرض عليه الرأي.