"الحضارات العظيمة لا تُقتل، بل أصحاب الحضارات هم من ينهون حضاراتهم" هكذا لخّص وختم المؤرخ "أرنولد توينبي" كتابه الضخم المؤلف من 12 مجلدًا، درس فيه قصص صعود وسقوط 28 حضارة مختلفة، وبعبارة أخرى يرى توينبي أن الحضارات العظيمة تحمل في طيّاتها أسباب زوالها، ومن هنا نتساءل ونسأل عن دور القوّة الماديّة كأساس في استمرار الحضارات، وكيف سادت ثم بادت حضارات الإغريق والفراعنة والرومان فضلاً عن الحضارة الإسلاميّة التي امتدت إلى أربع قارات؟

والمتأمل في حال المجتمع الإنسانيّ اليوم يجد أن العالم الغربي يقود الحضارة المعاصرة، ويقيس مستوى التقدّم فيها وفق فلسفة رئيسة يحكمها العلم التجريبي والمنطق البشري، الذي يتصرف كما لو أن المجتمع الإنساني يجب أن يعيش ويتفاعل ضمن مخطط علمي تؤطره القيم الغربيّة التي ستكفل وحدها تحصينه من الانهيار.

وحين حاول باحثون في المنتدى الاقتصادي العالمي تقريب صورة أسباب انهيار الحضارات لم يتمكنوا من ترتيب هذه الأسباب، ويستنتج Rosamond Hutt الذي استكتبه المنتدى عام 2016 وهو يحلل الحضارات إلى أن هناك خمسة عوامل رئيسة كانت ذات تأثير كبير ودائم تقريبًا في انهيار الحضارات وهي: 1) تحركات السكان التي لا يمكن السيطرة عليها، 2) موجات الأمراض الوبائيّة الجديدة، 3) زيادة عدد الدول الفاشلة مما يؤدي إلى زيادة الصراعات، 4) انهيار طرق التجارة، مما أدى إلى المجاعة، 5) تغيّرات المناخ. وهذه الأسباب الخمسة يكاد يراها الراصدون اليوم في تنامٍ مقلق قد يكون مؤذناً بتهديد استقرار الحضارة الإنسانيّة وفقاً لخلاصات الدراسات التاريخيّة في الحضارات.

وحتى تتضح جوانب الصورة فنحن عادة ما نعرّف الحضارة في أبسط تعريفاتها بأنها تلك الحالة المتقدّمة لمجتمع بشري ما ودرجة وصوله إلى مستوى متطور من الثقافة والعلوم والصناعة وسلطة (حكومة) تتمتع بالقبول والسيطرة، الجديد في حالة الرصد الحضاري أن مجتمعات اليوم تتشارك معظم مقومات الحضارة، وعلى هذا لم تعد مكتسبات التطور التقني والاتصالي منعزلة في حدود جغرافيّة محدودة، صحيح أن الصراعات وضعف الموارد الاقتصاديّة يجعلان حظوظ المجتمعات الإنسانيّة تتفاوت من حيث الاستفادة من معطيات الحضارة الحديثة، ولكن دراسات المستقبليات تقول: إن الأدوار ربما ستتبدل خلال الأعوام الخمسين المقبلة بشكل كبير، ومن اللافت في هذه التوقعات أن العناصر البارزة في الحضارات (القائدة) خلال العقود المقبلة تأتي من عمق الثقافة والمعتقدات إضافة إلى الكثافة السكانيّة، وهذا ينطبق –حسب هذه الدراسات- على الهند، والبرازيل، وإندونيسيا، ونيجيريا، والمكسيك.

مسارات

قال ومضى:

الذين لا يقرؤون التاريخ لن يتركوا أثراً على صفحاته.