ليت ربي ما كتب لحظة وداع ولا فراق ولا دموع ولا ضياع..

بهذه الكلمات التي لحنها والتي أبكته حين بدأ يغنيها وتذكر كاتبها وصديقه الحميم، نودعه ونبكيه.

يا سيدي بدري وتو الليل ما هوّد، تحرمنا من نور قنديلك وتوحشنا. رحيل باكر، هذا ما شعر به الجميع. رحيل خاطف، مؤلم وموحش. تو الليل ما هود. لازال المعجبون بفنك وعطائك وثقافتك ورقيك ينتظرون أن تقدم لهم الكثير. لكنك رحلت. عليك رحمة الله، وشملك غفرانه وأسكنك فسيح جنانه.

ابن الهنداوية، الحي الذي عشت فيه طفولتي، الحي الذي خرج منه الكثير والكثير من المبدعين في شتى المجالات، فقط من خلال حديث طلال باغر فهمت، أدركت اللغز الذي ظللنا نردده، حي الهنداوية في جدة أخرج الكثير من المبدعين، يقول باغر في لقائه في برنامج وينك، أن حفلات الأعراس البسيطة التي تقام في الحي كانت عبارة عن مهرجانات مصغرة، يلتقي فيها كل الفنانين والشعراء، إذا كان الحال كذلك فهذا يفسر لماذا كان الإبداع كثيفا في الهنداوية، لأننا أبناء بيئاتنا، وإذا كان جو الثقافة والفن هو السائد في الحي فلابد أن يتأثر به الموهوب، وأن ينمي موهبته ويصقلها على أيدي المحيطين به، هذا ما كان من أمر طلال، اشترى له أبوه حين رأى شغفه بالموسيقى عوداً يدندن عليه وهو في سن العاشرة، وفي الثانوية ظهرت الموهبة بشكل جلي فكان يغني لأصدقائه أغنيات طلال مداح متمثلاً طلال بالأخص لأنه يحمل نفس الاسم. مع حضور المهرجانات الصغيرة كما يسميها والقرب من الفنانين، منحه الشاعر إبراهيم خفاجي النصيحة التي رسمت خطه الفني، أنت مبدع في التلحين، اترك الغناء وسوف يكون لك اسم بارز في التلحين. هذه النصيحة الذهب، جعلت من طلال باغر هذا الملحن الذي عرفناه في أغانٍ خالدة، نسمعها اليوم وكأنها لحنت اليوم. بنفس العذوبة والشجن، لم تقل مع مر السنين، جاتني وشافتها عيون حايرات. ذا شعاع الشمس أو ذا سناها. كلنا نعرف الأغنية ونصفنا يعرف كاتبها، أما ملحنها فقد ذكرنا رحيله باسمه.

نردد آاااه آااااه آه مع محمد عبده وهو يغني اسمع رسول أشواق قلبي يناديك، ترقص أماني نشوتي لاجل اشوفك. وندرك الآن أن تلك الآهات من صنع فناننا العجيب طلال باغر.

استمع إليه وهو يتحدث بمفردات غاية في الثقافة والمعرفة، يتحدث عن حال الأغنية والألحان السريعة المكررة التي لا ترتكز على عمق أو فهم، نراه مبتعداً، يرثي الأغنية بدون أن يفقد الأمل، بذات الأمل في الأجيال القادمة يرأس لجنة الموسيقى في جمعية الثقافة والفنون بجدة. لكن القدر لم يمهله ولم يمهلنا.

وداعاً طلال، الحزن يغمرنا لفراقك، حتى الذين لم يعرفوك في حياتك سوى من أعمالك. أنا إحداهن. أودعك وأبكي.