ما إن تتقبل وقتية الأشياء وحتمية التغيير يتحرر وعيك وترى الأشياء والأحداث والأشخاص بوضوح، فالإنجليز مثلاً لديهم قدرة على ضبط علاقة النفس بالوقت، فقليلاً ما يظهرون انفعالاتهم النفسية مهما كان نوعها ويعتبر من أهم قواعد التربية الإنجليزية عدم المغالاة في الفرح أو الحزن أو الألم. يمكنك أن تستمع بالأشياء في هذا العالم دون أن تضفي عليها أهمية أو دلالة ليستا فيها، ويمكنك التداخل مع الزمن من دون ارتباط مثالي وعاطفي..

عندما كنت أدرس في جامعة ماريلاند الأميركية كنت أستقل مترو الأنفاق ثلاث مرات في الأسبوع، وفي أحد الأيام جلس بجانبي رجل فيما يبدو لي أنه في السبعين من عمره ممسكًا بكتاب جامعي فازداد فضولي في أن أسأله إن كان أستاذًا في الجامعة.

فقال: بأنه طالب في المراحل الأولى في الجامعة.

فقلت له: ألا تعتقد أنك تتحرك داخل نطاق زمني ضيق ومحدود. 

فعندما تواصل دراساتك إلى الدكتوراه تكون قد أشرفت على الثمانين.

فقال: مادام طريقي سوف يواصل بي الى الثمانين فإنني عندما أصلها بالدكتوراه أفضل من أن أصلها بلا شيء، فمن الناحية المثالية والعاطفية فإننا نخضع دائماً لضغط الزمن وحساباته وفلسفته ولكن من الناحية العقلية فالشيء مختلف، فالزمن تركيب ذهني ونسبي ونفسي يخضع للوضعية التي أنت فيها ذهنيًا فانتظارك مثلًا عشر دقائق لحدث أو شخص لا تحبه كأنه عمر كامل أو انتظار أبدي، وانتظارك يوماً كاملاً لحدث سار كأنه ثانية فتشكيل الزمن والتحكم فيه مهارة ذهنية.

لقد أجّلت الدراسة الجامعية إلى هذا الوقت لكي أتفرغ لتكوين وتشكيل حياتي فلكل منا أحلامه وتطلعاته  وأهدافه.

كنت أحاول أن أحدث فرقًا نوعيًا في الثلث الأول من حياتي وأنقلها إلى مستوى آخر فلقد توصلت إلى قناعة منذ سن مبكرة أن فترة التعليم تأخذ وقتاً أطول من حياتنا فقد كنت أدرك أن لدي قدرات وإمكانات خارج نطاق التعليم أفضت بي إلى اتخاذ هذا القرار فأردت أن اختصر على نفسي طريقًا طويلًا وأضع لنفسي مستقبلًا باهرًا بأن أنتهج أفضل الطرق للوصول إلى الفرص، لقد كان الوقت الرائع حليفي في مبتدأ حياتي فقد كان كل ما يشغلني أن أعيش عيشة حسنة من الناحية المالية وقد حققت ذلك وبعد ذلك وضعت الاستراتيجيات التي مكنتني من توزيع أوقاتي فكان نصيب التعليم الجامعي وما فوق الجامعي هذا الوقت.

لقد أمضيت أكثر من أربعين عامًا أعصر من خلالها روحي في سبيل بناء حياتي وعندما استكملت حلقات البناء شرعت في التعليم ففي وسط الشرق الأمريكي وبالذات في المجتمعات والبيئات الزراعية نوزع سنواتنا توزيعًا موسميًا فكل أربع سنوات أو أكثر نتخذ طريقًا جديدًا في الحياة تمامًا كالبذرة التي تمكث سنوات داخل وخارج الأرض لتؤتي ثمارها.

 ما الفرق في أن أكون طالبًا جامعيًا في العشرين أو الخمسين وبالذات إذا ما كنت لا أريد التعليم للوظيفة.

 فالتعليم الأكاديمي يأخذ في الغالب بعدين:

البعد الوظيفي. 

والآخر الدراسة، للبحث العلمي وإن كانت ظهرت في الغرب جامعات [U3A] جامعات العمر الثالث والتي تقدم تعليمًا جامعيًا للأعمار ما بين [50 – 75] دعني أقص عليك حكاية عجيبة قبل أنغادر هذا القطار [المترو]  لعلك سمعت بالمعلم كريشنا مورتي.

قلت تقصد الفيلسوف الهندي الذي طاف العالم بحثًا عن الحكمة قال: هذا ما أقصده.

لقد وقف كريشنا مورتي مرة أمام أتباعه قائلاً: هل تريدون أن تعرفوا سر حقيقتي؟ قالوا: نعم.

قال إنني  [لا أكترث بما يجري] وهذا يدل على أنه متسق داخلياً مع ما يحدث له ولذلك علينا ألا نصنف ذهنيًا أي حدث بأنه جيد أو سيئ أو صواب أو خطأ أو بداية أو نهاية فيمكنك أن تقرر أي علاقة تريدها مع الوقت.

فالزمن السيكولوجي لا يريدك أن تكون متحدًا مع الحياة، وكل ما فعلته في حياتي هو تبديل الأوقات.

يقول د. إكهارت تول في نهاية السبعينات كنت معتادًا على تناول الغداء بشكل يومي مع أحد الأصدقاء في كافيتيريا جامعة كامبريدج، وكنت أرى بين اليوم والآخر رجلًا مسنًا يأتي على كرسي متحرك ويجلس قريبًا منا، وكان في العادة يصحبه ثلاثة أو أربعة طلاب.

وفي ذلك اليوم لم أستطع منع نفسي من النظر إليه بتمعن، وصدمت حين رأيته مشلولًا بالكامل فقد كان جسده لا يتحرك ورأسه مائلًا على صدره وكان أحد الطلاب يقوم بتلقيمه الأكل بعناية وحذر، والطالب الآخر ممسك بصحن تحت وجنتيه حتى لا تتساقط وتتناثر أجزاء الأكل على ملابسه. 

سألت صديقي الجالس أمامي ماذا تعرف عن هذا الرجل؟

 قال لي إنه برفيسور الرياضيات في جامعة كامبريدج والذين معه طلابه، مصاب بمرض عصبي يشل بالتدريج كل عضو من أعضائه إنه أفظع مصير يواجه إنساناً.

وبعد أيام وبينما كنت أغادر الجامعة أقبل بكرسيه المتحرك يهم بالدخول فأمسكت الباب لكي يدخل بكرسيه ولمحت في عينيه صفاء السعادة والبهجة.

وفي أحد الأيام وبينما كنت أشتري صحيفة من أحد الأكشاك رأيت صورته على مجلة عالمية وقد كتب على الغلاف أشهر عالم في الفيزياء النظرية في العالم إنه ستيفن هوكينج عالم الفيزياء البريطاني الشهير.

كثير من الناس يربطون السعادة والشقاء بشيء ما يحدث لهم أولاً، ولكن ما يحدث ينتهي فكل حدث أو موقف سوف يمر سواء أكان محزنًا أم مبهجًا فعندما تكون مدركًا أن لكل شيء زمنًا سيقل ارتباطك به عاطفيًا، ولكن لا يعني أنك لا تستمتع به.

في كتابه: الأرض الجديدة يروي اكهارت تول حكاية قديمة تدور حول والٍ يعاني من تقلبات مزاجية حادة حيث تتنازعه   مشاعر السعادة والحزن فتفسد عليه لحظاته فكر في طريقة تخلصه من هذه المشاعر المضطربة  فاهتدى إلى أحد الحكماء فقال له أريد شيئًا يحقق لي التوازن والسكينة والحكمة. 

وبعد أيام عاد الحكيم وأعطى الوالي صندوقًا خشبيًا وعندما فتح الصندوق وجد خاتمًا كتب عليه [هذا أيضًا سيمر]. 

فقال له الحكيم عندما يمر بك أي حدث أو موقف لا تصنفه سيئًا كان أم جيدًا، اقرأ ما كتب على الخاتم [هذا أيضاً سيمر].

المغزى من تلك الأسطورة أن كل حدث أو موقف سوف يمر ولكن عقلك لا إرادياً، يقوم بتصنيفه خيرًا أو شرًا فكل حدث أو موقف نمر به مهما كان محزنًا أو مبهجًا سيمر ويصبح ماضيًا. 

ما الذي يمد هذه الكلمات بالقوة إذا نظرنا إليها بظاهرها تبدو أنها تحيلنا إلى المواساة في الأوقات الصعبة أو أنها تقضي على متعة الأوقات ولكن ما تقصده ألا تبالغ في حزنك أو سعادتك لأن هذا الوقت لن يدوم.

لكن المغزى الكامل من هذه الكلمات يشير إلى حقيقة الزوال في الأحداث وفي نفس الوقت الانفصال العاطفي عن الحدث. 

وإن كانت الكلمات لا تقول لك يجب ألا تستمتع باللحظات السعيدة، ولا المقصود منها المواساة في أوقات المعاناة بل لها هدف أعمق وهو أن تجعلك مدركًا لخاصية الزوال في الأشياء الجيدة أو السيئة فما إن تتقبل وقتية الأشياء وحتمية التغيير يتحرر وعيك وترى الأشياء والأحداث والأشخاص بوضوح.

فالإنجليز مثلاً لديهم قدرة على ضبط علاقة النفس بالوقت، فقليلاً ما يظهرون انفعالاتهم النفسية مهما كان نوعها ويعتبر من أهم قواعد التربية الإنجليزية عدم المغالاة في الفرح أو الحزن أو الألم.

يمكنك أن تستمع بالأشياء في هذا العالم دون أن تضفي عليها أهمية أو دلالة ليستا فيها، ويمكنك التداخل مع الزمن من  دون ارتباط مثالي وعاطفي.