تبدو قمة مجموعة الدول الصناعيّة السبع التي انعقدت على مدى ثلاثة أيام في مدينة كورنوال البريطانيّة، كما لو كانت مشهداً مقتطعاً من الماضي، إذ يعيد البيان الصادر عنها أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ويستدعي الخطاب العتيق حول الخطر القادم من الشرق، لكن الجديد هذه المرة أن روسيا -وريثة السوفيات- لم تعد وحدها في مربع العداء الغربي، حيث تقف بجوارها الصين، بل إن بكين تتصدر مخاوف الغرب وعلى رأسه أميركا، وهو النهج الذي ردت عليه الصين على لسان المتحدث باسم سفارتها في لندن "لقد ولت الأيام التي كانت مجموعة صغيرة من الدول تملي فيها القرارات العالمية".

انبعاث الحرب الباردة من جديد لا بد أن يعنينا في المنطقة، ومن شأن تصاعد حدة الاستقطاب أن يكون مصدراً للقلق، فمسار التاريخ يكشف كيف أشعلت هذه الحرب الباردة، بؤر حرائق في غير مكان بمنطقتنا والعالم برمته، لذا فإننا في هذه المنطقة معنيين بمراقبة هذا الصراع وفهم ديناميته، لكي لا نقع مجددا في فخ الاستقطاب، والانخراط في ماكينة صراع لا يحقق مصالحنا، أو يأخذ هواجسنا بالاعتبار.

في هذا المناخ الانقسامي يتبدى كم كان نهج المملكة حكيماً بتوسيع دائرة التحالفات وعدم ترك الأمر كله في سلة واحدة، حيث توجهت القيادة الرشيدة لنسج علاقات جديدة شرقاً وغرباً، وتعزيز أوراقها الاستراتيجية، مستفيدة من مكانتها الفريدة، وإمكاناتها الكبيرة، عبر دبلوماسية حصيفة، حققت المعادلة الصعبة في مراعاة مصالحها دون المساس بمصالح الآخرين، وهو ما مكن المملكة من تحقيق هامش حركة واسع في كثير من الملفات الدولية. ولم تقف استراتيجية المملكة عند تنويع تحالفاتها بل فعلت ما هو أهم، من خلال تعزيز قوى المنطقة الذاتية، وبناء تحالفات إقليمية تعزز مناعة المنطقة والإقليم حيال أي مشروعات استقطاب، أو توترات دولية، حيث نشطت المملكة في إنشاء عدد من التحالفات المهمة كالتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، والتحالف العسكري لمكافحة الإرهاب، ومجلس الدول المطلة على البحر الأحمر، وغيرها من التحالفات والتشكيلات الإقليمية التي تعزز حصانة المنطقة، وتفعل قواها الذاتية، وهذا النهج الاستباقي يأتي تجسيداً لرؤية خادم الحرمين وسمو ولي عهده الأمين في تأسيس مستقبل مشرق ليس للمملكة فحسب، بل للمنطقة بأكملها.