أحيانا يحتاج الإنسان إلى فضاءات كثيرة ليبحث فعل بعض التجارب، ليثبت لنفسه ما عجز عن الاقتناع به، فيذهب إلى هامش المعرفة، أو يضع نفسه بين قوسين من الرغبة في البوح والهروب من الاعتراف بالحاجات النفسية والعقلية، فالتجربة هي ما تجعل الإنسان مختلفا، وهي العملية التراكمية التي تغير الإنسان، فكل تجربة نخوضها في الحياة تجعلنا مختلفين وعياً وسلوكاً، بعض التجارب لها معاني كبيرة قد تكون غارقة في الإنسانية والوعي وكأنها تضيء وضوحاً يخطف البصر والروح، والبعض منها لا نستطيع أن نأخذها إلا كما هي بلا تنقيح أو تلميع، فالتجربة هي أفضل معلم للإنسان وأفضل شيء نعرّض أبناءنا له فهي تعود إلى المواجهة والتصرف الجيد وتحمل الصدمات، والإنسان بطبيعته محب للانفلات من أي قيود يحيطه به المجتمع أو الأسرة فتجده يحاول خوض تجارب كثيرة حتى لو ارتكب أخطاء كثيرة فالعبرة ليست بالصح أو الخطأ العبرة في أن نتعلم مما مر بنا بعيداً عن نظريات المدارس والجامعات.

يقول هيرمان هسه في روايته "دميان: "لقد أردتُ دائمًا أن أعيش حياة طبيعيّة، الحياة الّتي خُلقت من أجلها، الحياة الّتي تنبع من داخلي بعيدًا عن أيّ تشويه مدني أو ثقافيّ، أردتُ الذّهاب إلى بقعة بكر من الكرة الأرضيّة علّ روحي تعود بكرًا"، هذه الرغبة من بطل الرواية قد تكون نتيجة الملل من الحياة الروتينية أو الشغف بخوض تجربة مميزة تنعش الروح والجسد، وهذا المستوى من الوعي بالروح كيف أمكن له أن يحضر وعيه بنفسه ويلقيها على قارعة التجربة؟ فالإنسان عندما يجرب شيئاً جديداً فهو يتحرر من أفكاره القديمة وكل مشاعره بما فيها مخاوفه من النجاح والفشل ومن كل القيود المحيطة به، ليفرض سلطته الروحية والمعرفية الجديدة.. السؤال: كيف يمكن أن نكون واضحين مع أنفسنا ونقرر ما نريد دون الرجوع لمنظومة تعطينا كتالوجا لكيف نعيش، وكيف نتحدث، وكيف نعمل، وكيف نتعامل مع الآخر وحتى كيف نجرب الأشياء؟ بالمختصر.. كيف نكون أفرادا طبيعيين أحرارا ومتحررين من حكم الآخر، وكيف نستفيد من التجارب التي تمر بنا سواء مجبرين عليها أو باختيارنا؟.