لسنا وحدنا في الإشكالية القديمة الخاصة بالتعصب للمكان والعائلة والقبيلة والمنطقة والعرق.. دول نحسبها قد تجاوزت تعيش في الإطار نفسه، تجد ذلك حتى في شمال أوروبا المتقدم وفي شرق آسيا المتسامح..

ما نعنيه هنا التعصب المقيت لأشياء قد تتضاد مع الوطن.. فمثلاً سيطرت على بعضنا القبيلة وانغمس آخرون في التعصب للمنطقة والمدينة والعادات الاجتماعية وبالغنا باصطناع الهيبة لأفكار ومعتقدات.. وحينما أردنا قبل أكثر من عقد من الزمن كسر الحاجز لم نستطع، لأن كثيرين في إطار المتبلد الذي يريد مظلة مشوهة.

أما الآن فقد بدأنا الآن نتعود على الركض في مساحات شاسعة من الحرية، دون إسقاطات وواسطات وتفضيلات القبيلة والمنطقة والطائفة.. أصبحنا ننتقدها بحرية أكبر ونضع الوطن هو الأساس، ننبذ التفرقة نؤكد على المعايير في التفضيل.. وهنا ومع سياق هذه الكلمات لا يهمني أن أفقد علاقتي بالقبيلة أو المنطقة والمدينة وأتخلى عن صلتي بها إذا كانت تلك العلاقة ستجعل من العصبية شعاراً لاحتقار الآخر والتباهي عليه، ومع التغيير الإيجابي الكبير الذي نعيشه وجب أن نواكب الزمن لأن ميدان الركض للجميع وفق مواصفات وأفضليات نسفت شروط القبيلة والمنطقة وركزت على الكفاءة وقبلها الخلق القويم.

أؤكد على أحاسيسي ومشاعري بأن الأمور تغيرت في ظل العهد الجديد للوالد القائد الملك سلمان بن عبدالعزيز وسنده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.. اللذين خلقا فكراً سعودياً جديداً لا يرفض الماضي والمكونات المستمرة منه والاعتزاز به، بل يصونه وفق اعتبارات أن الوطن أولاً.. فكانت البداية بالأفواه الفاسدة والشعارات الضارة والدعوات المخلة سواء لقبيلة أو منطقة أو فكر ضار.. ومعها تزامناً بناء الدولة الحديثة التي يتساوى فيها الجميع.

هذه الرؤية والعهد الجديد تحفظ حقوقي وحقوق الآخرين كاملة وتجعل منّا المنتمين إلى وطنهم أكثر، وليس كذلك فقط بل الارتقاء بالسعودي فعلاً وقولاً ليكون المحب للإنسان الآخر المتودد له بغض النظر عن قبيلته ومدينته ولونه ودينه، المنتصر إيجاباً بمن يجمعني معه وطناً واحداً وشأنا واحداً، وخلافنا ورفضنا لمن يضمر شراً بوطننا، يقودنا بتجلي إحساسنا بالإنسان وحفظ حقوقه وضد من يتجاوز عليه لأسباب وضعيه لم يقرها دين ولا نبي ولا قانون.

ختاماً.. أعلم أن هناك من لن يعجبهم ذلك بالتأكيد منهم أن ما انتقدته حقائق قديمة مستمرة في بلادنا يصعب تغييرها، لأقول إن ذلك زمن مختلف، والآن نحن إزاء آخر، وخلال الجاري فالاندفاع تجاه القبيلة مُضر بلحمة الوطن كما هو الاندفاع تجاه المنطقة والعرق والطائفة، فهل وعينا أننا بفعلنا الجاري مع القبيلة أننا نبعثر انتماءنا.. نقسمه وبما يجعله ضعيفاً متراجعاً وبالتالي نضع جزئيات يمكن الاستغناء عنها وكأنها أهم من الوطن، لنصحو على استفهام كبير عن قيمة الوطن وحاله بلا مواطن يعيش كامل وطنتيه؟!