ليس من السهل صناعة نظام تربوي ناجح من دون فهم للمستقبل الذي يرغب المجتمع بالذهاب إليه على الصعد والمسارات كلها، وليس من المنطق تطوير نظام تربوي معزول عما يحدث في العالم الخارجي وغير متأثر بالتحولات العالمية..

دائماً ما يطرح سؤال مهم حول أفضل نظام تعليمي يمكنه أن ينقل المجتمع نحو تحقيق أهدافه التنموية وليس البحث عن المنافسة عالمياً من دون تحقق الأسباب المؤدية إلى النتيجة ذاتها، هناك فهم غير دقيق حول عملية تطوير المنظومة التربوية، لأنها المجال التنموي الوحيد المنتج للمنافسة الدولية في المحاور التطويرية والتربوية، بمعنى دقيق ليس هناك مسابقة لأفضل نظام تربوي في العالم إلا وفق معايير محددة مرتبطة غالباً بنتائج هذا التعليم مثل اختبارات القراءة والعلوم والرياضيات التي تصنف نتائج الدول وترتبها بحسب التحصيل العلمي لتلاميذ تلك الدول، ولذلك ظهرت في العالم الكثير من برامج التقييم الدولي والتي تضع الدول في تراتبية التحصيل الذي يظهر على طلابها من خلال القراءة.

نظرياً من المستحيل أن تقود الأنظمة التربوية التطور لوحدها فهي بحاجة إلى تشاركية عالية ودعم مستمر من المؤسسة السياسية ومن المنظومة الاقتصادية، أيضاً لا يكفي ذلك لأن أي دعم من دون إدراك وتقييم لفلسفة المجتمع ومنظومته سيكون له نتائج عكسية، ولعله من السهل استيراد الأنظمة والأفكار ولكن ليس من السهل تحليل المنظومة الفكرية وتقدير حاجاتها دون توسع هائل في عملية التقييم وتحديد أثر المتغيرات المجتمعية على المسار التربوي القائم وحتى المستهدف، بمعنى دقيق، المجتمعات الساعية إلى تطوير منظومتها التربوية تبحث عن رؤية واضحة وفلسفة ذات أهداف محددة تربط بين منظومة التعليم وبين ركائز أساسية في العملية التربوية هي (المجتمع بأنظمته، التلميذ بإمكاناته، المعلم بكفاءته).

أي نظام تربوي في العالم يواجه تحديات كبرى في مجالات مختلفة وقد تحدث الكثير من الباحثين عن التحديات التي تواجه النظام التربوي في مجتمعنا، وهنا أنقل بعضاً من هذه التحديات التي رصدها الكثير من المختصين في المجال التربوي وتعتبر نقاط ضعف مباشرة للعملية التربوية ومنها، أولاً: الساعات التدريبية للعاملين في الميدان تأتي على حساب الساعات التدريسية، ثانياً: اقتصار دور المدرسة على الطالب داخل المبنى فقط، ثالثاً: الهدر المتمثل في الرسوب والتسرب، رابعاً: الاعتماد على طرق تدريس تقليدية، خامساً: غياب مهارات التفكير الناقد، الاعتماد على طرق تدريس تقليدية، سادساً: ضعف البيئة المحفزة على الإبداع والتفكير، سابعاً: ارتفاع معدل عدد الطلاب لكل معلم، ثامناً: ضعف تطابق تخصصات الخريجين مع المهارات المطلوبة في المجتمع، تاسعاً: ضعف دور الأسرة في مشاركة المؤسسات التربوية.

يروى لي أحد المسؤولين في دولة عربية أنه عندما زارهم رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، طلبوا نصيحته التربوية، فقال لهم: عليكم بالتعليم والتركيز عليه، يقول هذا المسؤول ركزنا على التعليم وبعد ما يقارب من عقدين من الزمان فوجئنا أن مخرجات التعليم التي عملنا على التركيز عليها أصبحت عبئاً عددياً على مجتمعنا، وأثر ذلك على مستوى البطالة الذي ارتفع بشكل كبير، يقول هذا المسؤول اكتشفنا أن هناك قواعد وأسساً تربوية واجتماعية وسياسية واقتصادية لابد أن تكون هي من يمنح النظام التربوي الرخصة لممارسة عملة والبدء في عملية الإنتاج، حتى لا تتحول عملية إنتاج الطلاب إلى عملية عشوائية تكثف الكم دون الكيف.

تطوير النظام التربوي عملية مهمة جداً لتحويل المجتمعات ونقلها إلى عالم جديد، ولكن أي نظام تربوي لا يجيب على سؤال محدد عن الكيفية التي يرغب أن يحققها عند إنتاج الطلاب هو في الحقيقة يصبح نظاماً هيكلياً فقط، بمعنى دقيق ليس الكم هو المطلوب بقدر ما هو الكيف، ولكن هذا الكيف يتطلب الإجابة التالية حول معايير ذلك الطالب أو الطالبة وأدواتهما المعرفية والاقتصادية والسياسية والفكرية والمهارات المجتمعية والقيم المطلوب زرعها في عقول الطلاب.

ليس من السهل صناعة نظام تربوي ناجح من دون فهم للمستقبل الذي يرغب المجتمع بالذهاب إليه على الصعد والمسارات كلها، وليس من المنطق تطوير نظام تربوي معزول عما يحدث في العالم الخارجي وغير متأثر بالتحولات العالمية، لم يعد بالإمكان بناء أنظمة تربوية تختار وتنتقي ما يناسبها فقط، الخيارات التطويرية في المجال التربوي مع تلك التحولات التكنولوجية الهائلة التي يشهدها العالم أصبحت كتلة واحدة لا يمكن تجزئتها والمشتركات التربوية العالمية أصبحت تحتم على المجتمعات بناء أنظمتها التربوية مقسومة إلى قسمين متساويين، قسم خاص بالثقافة المحلية، وقسم خاص بالثقافة العالمية.