في التراث العربي القديم نصوص عديدة يُسأل فيها مُعمّرون عن مدى رغبتهم في مفارقة الحياة إلى الموت بصيغة: «أتحبُ الموت؟»، أو «أيسرك أن تموت؟». وغالباً ما تكون إجابة المسؤول / المعمّر بالنفي، ليوضح للسائل بعد ذلك السبب الذي يدعوه للتمسك بالحياة. وتكاد الأسباب تنحصر في رغبة المتحدّث في التزوّد من الأعمال الصالحة، أو رهبته من لقاء الله - عز وجل - وهو مثقل بالذنوب والمعاصي. لكن أحد المعمرين ذكر سبباً مختلفاً يُحبّبه في الحياة ويجعله يفضّلها على الموت، وهو أنّ رغبته في الاستمرار تعود لبقاء لذة واحدة له هي لذّة: سماع «العجائب»!

ورغم مرور الزمن وتزايد وسائل الترفيه في هذا العصر ما زال للحكايات وللقصص العجيبة لّذة يبحث عنها الناس كبيرهم وصغيرهم، هذا الأمر ساهم في اتجاه عدد غير قليل من المشاهير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام لرواية القصص والحكايات، والجميل أن فئة من الرواة الجدد أدركت صعوبة النجاح في عالم مختلف وفي وسط مزدحم بمواد ترفيهية تتسم بالجاذبية وبسهولة الوصول إليها والاستمتاع بها، فرأيناهم يجتهدون في تنويع أساليب عرض القصص للمتلقين وفي الوصول إليهم من وسائل إعلامية مختلفة. فمنهم من استثمر موهبته في الرواية بالانتقال لمخاطبة جمهور أوسع كما رأينا في انتقال الراوي الشعبي المبدع نواف الهويمل من الإذاعة إلى التلفزيون في البرنامج الرمضاني المميز (علوم الأولين) الذي جمع بين رواية القصص شفهياً وبين المشاهد التمثيلية التي تجسّد الأحداث والشخصيات. كما رأينا انتقال عدد من الرواة من سناب شات إلى التلفزيون وإلى قنوات اليوتيوب لتقديم برامج ذات مستوى أعلى في اختيار القصص وفي عرضها، وكذلك نقل بعض الرواة القصص المسموعة إلى الجمهور القارئ بتدوين تلك القصص وإصدارها في صورة كتب.

دور راوي الحكايات والقصص الناجح في الماضي لم يكن دوراً سهلاً كما يتوهم البعض، فالراوي ينبغي أن يمتلك مهارات واسعة تساعده على إمتاع السامعين إقناعهم، ومن جانب آخر فهو لا يكتفي بمسألة الاختيار الجيد، ولا يتوقف أبداً عن ابتكار استراتيجيات تزيد من متعة ولذّة مروياته، ولا شك أن مُهمة الرواة في هذا الزمن أضحت أكثر صعوبة وتتطلب بذل المزيد من الوقت والجهد. ويمكن ملاحظة أن الذين استطاعوا تحقيق النجاح والوصول إلى شريحة أكبر من المتابعين هم أولئك الذين أدركوا أنهم يخاطبون جمهوراً جديداً مختلفاً، وحرصوا إمّا على اختيار نوعية مميزة من القصص قادرة على جذب المتلقين، أو كان أسلوبهم في الرواية مُتفرّداً لا يقلدون فيه أحداً ولا يسيرون على نهج أحد.