تعد علاقة الشراكة الاستراتيجية بين المملكة، وجمهورية باكستان الإسلامية من أهم الشراكات التي تسهم في تحقيق التوازن الإقليمي ودعم أمن واستقرار المنطقة، من خلال حرص قيادتي البلدين على تنسيق الجهود في كافة المجالات.

وتربط المملكة بباكستان علاقات تاريخية وثيقة تمتد لأكثر من 70 عاما، تطورت عبرها العلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية» من خلال حرص قيادتي البلدين على دعم وتعزيز علاقاتهما على جميع الأصعدة السياسية، والعسكرية والأمنية، والاجتماعية، والتنموية، بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين والأمة الإسلامية.

كما تتميز بالتفاهم التام والرسوخ تمشيًا مع حرص قيادتي البلدين على دعمها وتعزيزها خدمة للبلدين والشعبين الشقيقين والأمة الإسلامية، وقد نمت العلاقات الثنائية بين البلدين في إطار التزامهما باعتدال نهجهما السياسي وانفتاحهما على العالم والتنسيق بين سياساتهما وتعاونهما في المحافل الدولية مما أدى إلى تنامي وتيرة العلاقات الثنائية بينهما في مختلف الصعد.

وقد عكست زيارة خادم الحرمين الشريفين التاريخية -حفظه الله- لباكستان عندما كان (وليا للعهد آنذاك) عام 2014، حرص قيادة المملكة على مواصلة تعزيز التعاون في مختلف المجالات، حيث تخلل الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات لتمويل مشاريع تنموية في باكستان.

وتعتبر الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين أحد العوامل المهمة التي أسهمت في تعزيز العلاقات الثنائية وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين على مدى العقود الماضية، كما وزار دولة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان المملكة في سبتمبر 2018 والتقى بالملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- وعقد معه جلسة مباحثات استُعرضت خلالها العلاقات الوثيقة بين البلدين الشقيقين، وآفاق تنميتها وتعزيزها في مختلف المجالات، إضافة إلى بحث آخر الأحداث على الساحة الإقليمية.

وقد أسهمت الزيارة الأخيرة لصاحب السمو الملكي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، في فبراير 2019، في تدشين مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين، وذلك من خلال الإعلان عن إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السعودي - الباكستاني الذي سيكون دوره محورياً في تطوير التعاون الثنائي والارتقاء به إلى آفاق أرحب.

 «علاقات وطيدة»

وتشهد العلاقة بين المملكة وباكستان مزيدًا من الديناميكية والحيوية في جميع الميادين السياسية والعسكرية والإعلامية والاستثمارية، وقد سبق وعبر وزير الإعلام الباكستاني: إن المملكة وباكستان تحافظان على علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية وثقافية وثيقة وقوية، ونادرًا ما توجد في تاريخ الصداقة العالمية، والشراكة القادمة مع المملكة ستكون طويلة الأمد وعلى مستويات عديدة وفي العديد من المجالات.

وأكبر دليل على ذلك اهتمام رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان بالعلاقات السعودية الباكستانية، وتقويتها، حيث حرص أن تكون المملكة أول دولة يزورها بعد فوزه في الانتخابات البرلمانية عام 2018م، كما زارها 4 مرات عام 2019م، في دلالة على اهتمامه بتعزيز العلاقات مع المملكة وقيادتها، وتأتي زيارته الحالية استمراراً لنهج التشاور بين القيادتين حول القضايا الإقليمية والدولية لتعزيز العلاقات التاريخية الوطيدة القائمة بين البلدين والشعبين الشقيقين ويعد البعد الإسلامي أحد أسس تعزيز العلاقات بين البلدين والشعبين الشقيقين، حيث تعتبر المملكة وباكستان من الدول الإسلامية الرائدة التي تحرص على وحدة صف العالم الإسلامي ومواجهة التحديات المشتركة.

وتحتضن المملكة جالية باكستانية كبيرة تقدر بحوالي مليوني مقيم وهي محل اهتمام قيادة وشعب المملكة، ويحرص الجميع على رعايتهم وتقدير جهودهم وإسهاماتهم في شتى المجالات الاقتصادية والتنموية.

كما يمثل أعمال مجلس التنسيق الأعلى السعودي الباكستاني نقطة انطلاق في مسيرة العلاقات السعودية الباكستانية، ويعكس المجلس حرص القيادتين على مأسسة العلاقات وتأطيرها، ونقلها إلى آفاق أرحب في جميع المجالات، وإدخال المبادرات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية والعسكرية في إطار التعاون التكاملي الاستراتيجي، بما ينسجم مع تطلع البلدين إلى بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد.

وتتوفر للقطاع الخاص في البلدين فرص استثمارية وتجارية هائلة في مختلف القطاعات، من ضمنها قطاع التعدين والبتروكيماويات والغذاء والدواء وغيرها من القطاعات، والمملكة حريصة على إزالة معوقات تنمية التبادل التجاري بين البلدين، وتدعم جهود تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياحية، وتعزيز فرص الشراكة في مختلف المجالات، بما يتناسب مع حجم الدولتين ومكانتيهما الإقليمية والدولية، وإمكاناتهما الكبيرة.

«تعزيز العلاقات» 

وتعد عضوية باكستان في التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الاٍرهاب، الذي أنشأته المملكة العربية السعودية، إضافة نوعية لهذا التحالف الذي يعد المنظومة الأساسية لمكافحة الاٍرهاب والتطرف ودعم قيم الوسطية والاعتدال على مستوى العالم الإسلامي. وتحظى قيادتنا الرشيدة باحترام وتقدير كبيرين لدى جميع الأوساط السياسة الرسمية والحزبية والاسلامية والشعبية الباكستانية، انطلاقاً من الروابط الإسلامية والأسس المتينة للعلاقات بين البلدين والشعبين الشقيقين على المستويين الثنائي والإسلامي، وباعتبار المملكة من الدول الرائدة للعمل الإسلامي المشترك، ولدعمها المستمر لجمهورية باكستان منذ استقلالها إلى اليوم، وما تقدمه من خدمات متكاملة لقاصدي وزوار الحرمين الشريفين والمشروعات الكبيرة في المشاعر المقدسة.

ويترجم البلدان هذه العلاقة المتميزة بتبادل كبير في الزيارات التي عاد مردودها على تعزيز هذه العلاقات من جهة، وتحقيق المصالح المشتركة التي تعود بالخير على المنطقة.

«التجسيد الحقيقي» 

وتهتم المملكة العربية السعودية بتنمية وازدهار باكستان، حيث قدم الصندوق السعودي للتنمية العديد من المساعدات التنموية، منها تقديم 20 قرضاً تنموياً للمساهمة في تمويل تنفيذ 17 مشروعاً تنموياً في قطاعات الطاقة والسدود والمياه والصرف الصحي والنقل والبنية التحتية بقيمة 3.5 مليار ريال، وتقديم عمليات تمويل وضمان صادرات بقيمة 17.6 مليوناً، وتمويل دعم استيراد باكستان مشتقات نفطية سعودية بقيمة 270 مليوناً، وتخصيص ثلاث منح بقيمة 1.250 ملياراً لتمويل مشروعات إعادة الإعمار وتأهيل المناطق المتضررة من الزلازل، إلى جانب الدعم الإضافي المستمر لباكستان - عن طريق مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية - لمواجهة الآثار المدمرة للزلازل.

وما يربط المملكة بجمهورية باكستان من علاقات إنما يعبر عن التجسيد الحقيقي لمعنى الإخوة الإسلامية والوقوف صفًا واحدًا أمام كل التحديات التي تواجه أيًا من البلدين وهو ما أكدته الكثير من المواقف المتبادلة بين البلدين خلال فترات تاريخية.

ولجمهورية باكستان مواقف مشرفة تجاه المملكة ودعم وتأييد في جميع المحافل، فقد عبر عدد من العلماء والوزراء والسياسيين والدبلوماسيين والقضاة والدعاة والأكاديميين الباكستانيين، من باكستان وخارجها، عن دعمهم وتأييدهم لقرار المملكة في الدفاع عن الشرعية باليمن والدفاع عن الشعب اليمني من ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، ودعم حكومة باكستان لموقف المملكة من اليمن.

وعلى امتداد العلاقات الثنائية بين البلدين وقفت المملكة إلى جانب باكستان وساندته في أصعب الظروف، ولعل إنشاء مركز للصداقة السعودية الباكستانية في كلا البلدين جاء تجسيدًا وتتويجًا للعلاقة التاريخية بين البلدين، وتفعيلًا لتوجهات قادتهما وتوثيقًا للتآخي بين الشعبين الشقيقين.

«دعم وتأييد»

وتتكامل المملكة وباكستان في دعم وتأييد بعضهما في إطار المنظمات الإقليمية والعالمية بما في ذلك منظمة التعاون الإسلامي لإيجاد حلول للقضايا الإسلامية وتحقيق الأمن والسلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، فقويت العلاقات الثنائية وازدادت رسوخا بشكل كبير منذ انضمام باكستان إلى التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الاٍرهاب الذي أنشأته المملكة العربية السعودية، والذي يعد المنظومة الأساسية لمكافحة الاٍرهاب والتطرف ودعم قيم الوسطية والاعتدال.

«تأييد رؤيتنا» 

وتحظى الرؤى التي تنتهجها المملكة دعم وتأييد فقد حظيت رؤية المملكة 2030 بالتقدير والاحترام من قبل العديد من القيادات الباكستانية المؤثرة، باعتبارها نقلة نوعية في التفكير السياسي السعودي الناضج، وتعكس منهج الإسلام الوسطي وتكرس قيم التسامح والتعايش السلمي، وتوفر الفرص والممكنات للبلدين الدخول في شراكات وتحالفات استثمارية في إطار مبادرات الرؤية. كما دعم دولة رئيس الوزراء الباكستاني (عمران خان) لمبادرات «السعودية الخضراء» و»الشرق الأوسط الأخضر» كما يؤكد على حيوية العلاقات بين البلدين، وتجدد آفاق التعاون المشترك لمواجهة التحديات المعاصرة مثل قضايا المناخ. وعد وزير الإعلام الباكستاني رؤية المملكة 2030 التي تبناها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع نقلة نوعية في التفكير السياسي السعودي الناضج، مؤكدًا أن الرؤية 2030 ستقود العالم الإسلامي خصوصا إزاء منهجية الإسلام الوسطي وتكريس قيم التسامح والتعايش السلمي.

وقال: «إن العالم ينظر باحترام وتقدير كبيرين لسمو الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز الذي أصبح مثالا لجيل الشباب في العالم الإسلامي وزعيما ملهما في المحيط العالمي».

وتهدف الاجتماعات التي تعقد بين البلدين إلى متابعة جميع الموضوعات ومعالجة العوائق لتنمية التبادل التجاري بين البلدين، حيث أثمرت عن عدد من المخرجات التي تم إنجازها خلال المدة السابقة فضلًا عن التباحث بشكل مفصل بين كبرى الشركات من الجانبين السعودي والباكستاني حول العديد من المشاريع والفرص الاستثمارية  المتنوعة وتمكين إيجاد الفرص المناسبة للتعاون المشترك على أرض الواقع وتسهيلها.

وتسعى المملكة وباكستان إلى الاستغلال الأمثل للإمكانات الكبيرة لدى الجانبين وما تقدمه رؤية المملكة 2030 من فرص واعدة تحتم على الجميع استعراض تلك الفرص المتاحة وتحويلها إلى واقع ملموس لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين وتنميتها، لترتقي إلى طموحات القيادة الرشيدة والشعبين الشقيقين وتطلعاتهم، وبما يخدم مصالح الأمة الإسلامية.

«التعاون المشترك» 

وفي مجال التعاون العسكري بين المملكة وجمهورية باكستان الإسلامية هناك الكثير من أوجه التعاون المشترك بين القوات الجوية الملكية السعودية والقوات الباكستانية لتبادل الخبرات واكتساب المهارات بين القوات الجوية المشاركة والاستفادة من تضاريس المنطقة والأجواء وعمليات الإنزال من الطائرات والتدريب على تنفيذ عمليات الكمائن والإغارة وعمليات الدوريات القتالية.

وتقدر المملكة التعاون العسكري البناء والوثيق بين البلدين وتؤكد أن هذا التعاون يخدم أمن واستقرار المملكة وباكستان، كما أنه يأتي ثمرة لعمق العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين.

فهذا التعاون الكبير والمشترك في المجال العسكري بين المملكة باكستان، يتم تنفيذ من خلاله تمارين عسكرية دورية سعودية باكستانية ومناورات مشتركة، تأتي امتدادًا لخطط وبرامج قواتهما المسلحة التدريبية المعدة مسبقاً لتطوير المهارات القتالية لضباط وأفراد القوات المسلحة، ورفع مستوى الجاهزية القتالية، وتعزيز التعاون الإقليمي بين البلدين.

وتوفر الجامعات السعودية منحاً دراسية للطلاب الباكستانيين، كما يتلقى طلاب سعوديين تعليمهم في باكستان، وهو الأمر الذي نجح في توطيد العلاقات الثقافية والتعليمية، وتحقيق التواصل الحضاري والثقافي بين الشعبين الشقيقين، والاستفادة من الامكانيات العلمية التي تتمتع بها الجامعات السعودية، إضافة إلى تعريف الطلاب الباكستانيين بما تشهده المملكة من نهضة تنموية ومشاريع عملاقة في مختلف المجالات في ظل رؤية 2030.

ولي العهد خلال زيارته لباكستان وبجانبه رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان