لم يكن السلطان مقرن بن زامل ليكتسب هذه الشهرة العريضة في التاريخ المحلي والاقليمي لولا تصديه للغزاة البرتغاليين الصليبيين واستشهاده في شهر شعبان من عام 927ه 1في المعركة التي جرت في جزيرة أوال "البحرين" فهو وإن كان خاتمة سلاطين بني جبر الأقوياء إلا انه لا يصل محلياً إلى مكانة جده السلطان أجود بن زامل الذي سارت بذكره الركبان فالسلطان مقرن هو الرابع في سلسلة السلاطين من بني جبر الذين حكموا الاحساء والقطيف من منتصف القرن التاسع الهجري وحتى الثلث الأول من القرن العاشر.

لقد كانت الأطماع البرتغالية في الخليج وبلاد المسلمين يغذيها الحقد على الإسلام والمسلمين والمصالح التجارية في السيطرة على طرق التجارة القديمة وفرض الهيمنة على أشهر مصائد اللؤلؤ في العالم وقد بدأ الاحتلال البرتغالي في وضع قدمه في الخليج حينما احتلوا جزيرة هرموز ثم اتجهت أنظارهم إلى جزيرة أوال ليكون منها العبور الكبير إلى كافة جزيرة العرب وإلى الأماكن المقدسة تحديداً في مكة والمدينة إلا انه بفضل الله وتقديره انتهت أحلامهم تلك على ضفاف الخليج فلقد تصدى السلطان مقرن لتلك الحملة الصليبية في جزيرة أوال وقاد بنفسه جيشه الذي صمد وقاوم مقاومة باسلة للغزاة الذين كانوا يتفوقون عليهم بالأسلحة النارية الحديثة من مدافع وبنادق إلا ان اصابة السلطان مقرن ووفاته بعد ثلاثة أيام 2قد فل عزيمة الجيش المدافع وجعله ينهزم في معركة غير متكافئة الأطراف ومن ثم الانسحاب إلى الساحل الشرقي من جزيرة العرب بقيادة ابن أخت السلطان مقرن المدعو "حميد" 3ومن ثم قيام إحدى سفن الأسطوال البرتغالي باعتراض السفينة التي كانت تحمل جثمان السلطان مقرن واحتزاز رأس السلطان مقرن وإرساله إلى ملك البرتغال الذي كافأ القائد البرتغالي "كوريا" بنقش صورة رأس السلطان مقرن على درع ذلك القائد. 4لم يجرؤ البرتغاليون على تنفيذ مخططهم باحتلال جزيرة العرب وذلك بسبب المقاومة الشرسة والشجاعة التي وجدوها في معركة البحرين فاكتفوا بالبحرين الذين طردوا منها لاحقا. لقد كان لفقد السلطان مقرن فجأة تداعيات خطيرة على بني جبر وحكمهم في شرق جزيرة العرب فقد خلف السلطان مقرن مجموعة من السلاطين الضعاف انتهت على أيديهم دولة بني جبر سنة 931ه 5بل ان الاضطراب السياسي طال بعض البلدان والقرى النجدية كاليمامة وما حولها فرحم الله السلطان مقرن رحمة الأبرار وبلغه منازل الشهداء. ونسوق هنا للقراء الكرام نسب السلطان مقرن من المصادر الأصيلة التي ذكرت نسبه ونسب جماعته بني جبر وذلك للرد على بعض الكتب المزورة والمكذوبة التي لفقت نسباً مكذوباً للسلطان مقرن وأوصلته إلى الصحابي الجليل خالد بن الوليد المخزومي رضي الله عنه ومن هذه الكتب المزورة كتاب "امتاع السامر" - الجزء الثاني - المنسوب زوراً لشعيب الدوسري.

اسمه ونسبه: هو السلطان مقرن بن زامل بن السلطان أجود بن زامل بن حسين بن ناصر بن جبر من آل مضا من بني قيس من بني عقيل بن عامر بن صعصعة العدنانيين. فتسلسل أجداد السلطان مقرن إلى جبر قد ساقه المؤرخ المكي جار الله بن فهد الهاشمي "ت 954ه" في كتابه نيل المنى 6وتابعه في ذلك المؤرخ عبدالقادر الجزيري "ت بعد 977ه" في كتابه الدرر الفرائد المنظمة 7إلا انه أسقط اسم جده "أجود" سهواً فمن يتأمل النص الذي ساقه عن بني جبر يجده يذكر اسم خليفة السلطان مقرن في الحكم وهو علي بن أجود ويصفه انه عمه.

أما نسبته إلى آل مضا فقد وردت في قصائد قديمة لشعراء من القرن العاشر الهجري معاصرين للسلاطين من بني جبر ومنهم الشاعر عامر السمين الذي قال في قصيدة يمدح بها بني جبر:

وإلى المقدم أصلهم آل المضا

وإلى المضا من قيس أوفى مقسما

8وكذلك في قصيد للشاعر "الكليف" يمدح بها مقرن بن قضيب الجبري فيقول:

إلى غريري من أولاد المضا

راعي عطايا ما يمن جزالها

9ونسبته إلى قيس قد وردت أيضاً في كثير من القصائد ومنها قول عامر السمين يمدح بها قطن بن سيف الجبري:

قيسي خيار عقيل جملا كلهم

العامري من قيس أوفى مقسما

وإلى تفاخرت الأصول بعامر

فخيارها وأعزها المتقدما

10وكذلك فإن بني قيس أحد فروع بني عقيل بن عامر التي ذكرها ابن فضل ا لله العمري "ت 749ه" في كتابه مسالك الأبصار

11.أما النسبة إلى بني عقيل بن عامر بن صعصعة فقد ذكرها السخاوي "ت 902ه" في كتابه الضوء اللامع 12عندما ترجم للسلطان أجود بن زامل وكذلك فعل الجزيري في الدرر 13وكذلك وردت في قصائد قديمة أوردنا الشاهد من بعضها. فهل يقال بعد ذلك ان السلطان مقرن وجماعته من بني جبر ينتسبون إلى خالد بن الوليد؟ فلو كانت تلك النسبة صحيحة فكيف تخفى على معاصريهم من المؤرخين والشعراء الذين كانوا سيتغنون بذلك النسب القرشي الرفيع. لكن الكذب داء وبيل لا علاج له عند من استمرأه، نسأل الله السلامة منه ومن أهله. كما أنه ينبغي التنبيه إلى الخلط الذي وقع لبعض الكتّاب بين آل جبر العقيليين وبين قبيلة الجبور من بني خالد فنسبوهم إلى بعضهم البعض والحقيقة أن قبيلة الجبور من بني خالد أقدم ذكراً في التاريخ من بني جبر وأبعد مكاناً 14كما أنه لا دليل على أن بني جبر من قبيلة الجبور من بني خالد، كما مر معنا في نسب بني جبر الذي ذكرته المصادر المتقدمة بالتفصيل فلم تورد أي إشارة إلى بني خالد لا من قريب ولا من بعيد واظن أن مصدر ذلك الوهم هو تشابه الأسماء ووصول قبيلة بني خالد في الثلث الأول من القرن العاشر قادمة من نجد وكان بالطبع من ضمن فروعها قبيلة الجبور بينما كان بني جبر في تلك الفترة مجرد أسرة حاكمة من بني عقيل بن عامر، وكذلك الوهم والخلط بين قبيلة الأجود من غزية الطائية وبين السلطان أجود بين زامل كما هو عند العزاوي في عشائر العراق على سبيل المثال لا الحصر.

واتماماً للفائدة نسوق بعض الأخبار التاريخية للسلطان مقرن التي وردت عند بعض المؤرخين ومنها:

@ في شهر ذي الحجة من عام 912ه "وصل (إلى مكة) الشيخ محمد بن أجود بن زامل وولده وابن أخيه مقرن بن زامل وابن عم أبيهم صالح وغيرهم من أهلهم وجماعتهم وهم فيما يقال نحو الثلاثين ألفا أو خمسين أو ستين أو مائة (ألف) والله أعلم من جهة المدينة"

15.@ في أحداث سنة 925ه "وذكروا أن بدوهم (هكذا) وقع فيها قتال بين سلطانهم مقرن بن زامل وبين قريبه 16في قرية قريبة منه وكان دعي له في بعض البلدان فغيب الشيخ (مقرن) على القاضي محمد بن فرق (هكذا) وفر إلى بلدة أخرى خارجة عن أعمال بلاده فالله تعالى يحميه17،

18.@ في أحداث شهر محرم سنة 927ه "وازداد ذلك (الغلاء) عند وصول الشيخ مقرن بن زامل الجبري إليها (المدينة المنورة) وكان تأخر عن الحاج الشامي عند عرب زبيد (من قبيلة حرب) لزواجه بابنة شيخهم مالك بن رومي واعطاها ألف دينار وقسم على أقاربها جمله وأعطى أهل المدينة صدقة وسافر ولم يقسم"

19.@ إشارة النسابة علي بن الحسن بن شدقم الحسيني (ت1033ه) إلى السلطان مقرن بقوله: "... أما جابر (هو جابر بن محمد بن جبل بن ملاعب بن سمار بن ملاعب بن عبدالله بن مهنا بن الحسين بن مهنا بن داوود بن القاسم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما) وكان بطلاً شجاعاً ولما حج مقرن بن زامل سلطان الحسا سنة (ظل) 20أخذه معه لما علم من شجاعته وقطعت إحدى يديه في حرب معه فخلف أحمد أمه عامية حساوية 21من آل رخيم مات بسيلان ولم يعلم له عقب"

22.ونختم هذه الرحلة الماتعة مع السلطان مقرن أحد أبطال الإسلام بأبيات من القصيدة الرائعة التي مدحه بها أمير الجزعة (جنوب منفوحة) جعثين اليزيدي:

رخا العيش ضمن في اقتحام الشدايد

ونيل المعالي في لقا كل كايد

إلى أن يقول:

فيا ناق من وادي نعام تقلقلي

وأرجي لك التوفيق ضد الشدايد

فسيري وبالك لذة النوم والكرى

ولو عاد في صعب الاخطار الجدايد

لعل خلاف السير يا ناق والسرى

وقطع الفيافي والديار البعايد

تزورين بي سمح النبا ابن زامل

مقرن مناي لشبك ضيم الشدايد

ولاقيت بعد السير يا ناق مقرن

وقابلت وجه فيه للحمد شاهد

نشا بين سيف والغريري 23زامل

فيالك من عم كريم ووالد

وبين أجود سلطان قيس وركنها

عن الضيم أو في معضلات الشدايد

حمى بالقنا هجر إلى ضاحي اللوى

إلى العارض المنقاد نابي الفرايد

124) نيل المنى، جارالله ابن فهد الهاشمي المكي (ت954ه)ج1، ص 421ت محمد الهيلة وانظر ليالة الحسا، عبدالكريم الوهبي، ص

2.76) بدأت المعركة في 1521/7/27م الموافق 22شعبان 927ه بقيادة القائد البرتغالي (انطونيو كوريا) مجلة الوثيقة البحرينية، العدد 8، ص

3.127) أخطأ من عد حميد هذا جد البيت الحاكم من بني خالد فليس كل من كان اسمه حميد يكون خالدياً لأن بني خالد فيهم فرع يسمى آل حميد كما أن بني خالد لم يصلوا إلى الأحساء والقطيف إلا في الثلث الأول من القرن العاشر الهجري بناء على أدلة كثيرة ليس هذا مجال بسطها.

4) مجلة الوثيقة البحرينية، العدد الأول، ص

5.125) نيل المنى، ج 1ص

6.421) المصدر السابق.

7) الدرر الفرائد المنظمة، ج3، ص

8.1728) الشعر النبطي، سعد الصويان، ص

9.286) المصدر السابق، ص

10.294) المصدر السابق، ص

11.286) مسالك الأبصار ت/ دوروتيا كرافولسكي، ص

12.152) الضوء اللامع، ج 1ص

13.190) الدرر الفرائد المنظمة ج 3ص

14.1729) أول اشارة الى قبيلة الجبور من بني خالد هو ما ذكره العمري نقلا عن الحمداني من أهل القرن السابع الهجري عندما عدد فروع قبيلة بني خالد وذكر منازلها في اقليم القصيم من نجد، بينما لم يولد (جبر) جد بني جبر إلا في النصف الثاني من القرن السابع الهجري على أقصى تقدير.

15) بلوغ القرى، عبدالعزيز ابن فهد الهاشمي المكي (922ه) ج3، ص

16.1560) قلت: لعله خاله/صالح بن سيف بن زامل الجبري الذي أشارت بعض المصادر أن مقرن قد استولى على السلطة منه في عام 921ه.

17) لعل ذلك القاضي يرى أحقية صالح بن سيف بن زامل بالولاية مما أغضب السلطان مقرن وأراد الفتك به إلا أنه هرب منه.

18) نيل المنى جارالله ابن فهد الهاشمي المكي، ج1، ص

19.205) المصدر السابق، ج1، ص

20.301) في حساب الجمل سنة (ظل)= سنة 930ه وهو وهم منه لأن السلطان مقرن كان قد توفي في سنة 927ه كما ذكرت المصادر المتقدمة على ابن شدقم.

21) المقصود بقوله عامية أي أنها ليست من آل البيت النبوي كما دل عليه الاستقراء لمنهجه في كتابه "زهرة المقول" وكذلك عند حفيده ضامن بن شدقم بن علي (ت بعد 1090ه) في كتابه "تحفة الأزهار".

22) زهرة المقول في نسب ثاني فرعي الرسول، ص

23.32) الغرير هو احد اسماء الأسد وهو يشبه به لا كما توهم البعض أن له علاقة بآل غرير من آل حميد من بني خالد.

24) الشعر النبطي، سعد الصويان، ص314 ،315