مفهوم التنمية المتوازنة يكمن في عدة أهداف تتمثل في رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وزيادة قدرته التنافسية، كذلك دفع القطاع الخاص نحو الاستثمار والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني وزيادة حصته في الناتج المحلي وتوسيع نطاق مشاركة المواطنين في الأصول المنتجة وتشجيع رأس المال الوطني والأجنبي للاستثمار محليا، وتهدف المملكة أيضا من وراء ذلك إلى زيادة فرص العمل والتشغيل الأمثل للقوى العاملة وتوفير الخدمات للمواطنين والمستثمرين إلى جانب توجيه الإنفاق العام وترشيده لتخفيف الأعباء عن كاهل الميزانية العامة للدولة.

ومن سياق هذا التعريف نستشف أن التنمية المتوازنة تتعلق بنوعية الحياة التنموية والاقتصادية، وهذان العاملان (التنمية والاقتصاد) يرتبطان ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض في أطر النظم العالمية الحديثة التي تتمحور حول قضايا التنمية وتندرج ضمن أساليبها ونماذجها المتعددة، ولدينا في المملكة تبرز أهمية التنمية ومدى تفاعلها وتأثيرها في الواقع الاقتصادي والاجتماعي وما هو الدور الذي تقوم به كافة الجهات والقطاعات (الحكومية والأهلية) في المناطق التي تحتضنها، وهو ما يترجم مفهوم التنمية المتوازنة، خصوصاً إذا كانت تلك المناطق تقع خارج المناطق الأكثر نشاطاً من حيث بيئة الأعمال وتوفر فرص العمل والانتاج مثل الرياض وجدة والدمام. ولعل من أبرز متطلبات التنمية المتوازنة المطلوب توافرها من حيث شمولها لقطاعات الاقتصاد الوطني وتوجهاته هو ضرورة مراعاة "التوازن في النطاق الأفقي للإنتاج" أي التوازن بين الأنشطة التي تخدم الطلب الاستهلاكي النهائي وكذلك "التوازن بين القاعدة الهيكلية وأنشطة الإنتاج المباشر" بحيث يتم إيجاد الطاقة الإنتاجية في هذا القطاع قبل أن يتواجد الطلب على منتجاته وذلك لأن منتجات القاعدة الهيكلية تستخدم من قبل كافة الصناعات والمشروعات الإنتاجية وعدم توافرها سيخلق اختناقًا في متطلبات التنمية المتوازنة بل وانحرافًا عن معظم مساراتها الوطنية. ونستدل من هذا السياق على أن استراتيجية التنمية المتوازنة تتمثل في أن يكون هناك دفعات قوية وبشكل متزامن تتمثل في مجال الاستثمارات في مشروعات وأنشطة متنوعة ومتكاملة من حيث خدماتها وتلبيتها لاحتياجات المجتمع ومتطلباته.

ويمكن ذكر بعض الشروط والمتطلبات الأخرى التي يمكن توافرها لتحقيق تنمية متوازنة وتتمثل في الجوانب الاقتصادية لتوجهات الدولة في البحث عن مصادر دخل غير البترول واستفادتها من الثروات المخزونة الأخرى التي يمكن أن تشكل مصدرًا جيدًا قد لا نفكر فيه في ظل الاعتماد كليا على البترول. إن مثل هذه التوجهات تسهم في تشكيل وبناء ثقافة اجتماعية لها نظرة مستقبلية بدلا من ثقافة الاستهلاك الآني الأمر الذي سيكون له مردود اقتصادي استراتيجي بعيد المدى يحتاج إلى تركيز على بدائل ذات ميزة تنافسية لموارد أخرى تزخر بها المملكة. كما يتوقع أن الإنفاق على الدراسات والبحوث العلمية ذات المردود الاقتصادي الإيجابي على الوطن سيكون من بين الأولويات في سياسات الدولة ومؤسسات البحث العلمي وخصوصا الجامعات ومراكز البحوث كمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ومدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة.

إن نظرية التنمية المتوازنة تتحقق في ظل بنيان اقتصادي متماسك متين يكون بمثابة محصلة لما تم اتخاذه من قرارات استثمارية وما تم تنفيذه من مشروعات تنموية عبر مراحل متلاحقة في أوقات سابقة. لذا يتعين وفقًا لأسلوب التنمية المتوازنة البدء بإنشاء صناعات استهلاكية وإنتاجية تضع المملكة على خارطة الدول الصناعية في مختلف الصناعات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة تحفز على الاستفادة من التقنيات الحديثة وتقليل التكلفة لمنافسة المنتجات الاستهلاكية المستوردة، وأن المملكة قادرة على حماية الصناعة الوطنية وتوطينها وتحريرها من المعوقات من خلال وضع الضوابط لسياسة الإغراق والجودة والأسعار. ويمكن استشراف بعض العوائق والصعوبات التي تواجه تحقيق أهداف التنمية في بعض المناطق أن هناك عرضًا وافرًا من الموارد وأن القيد الرئيسي لاستخدامها إنما يتمثل في الأسواق وعدم توفرها، كما أن بعض المشروعات قد تنشأ بحجم صغير ربما يقل عن الحجم الأمثل للوحدة الإنتاجية الأمر الذي قد تنخفض معه الكفاءة الإنتاجية لهذه المشروعات نظرًا لضياع الوفورات التي يحققها الحجم الأمثل للمشروع.

*جامعة الملك سعود