منذ أن تم اكتشاف النفط بكميات تجارية في المملكة عن طريق البئر المعروف باسم "الدمام رقم 7" والآن ببئر "الخير" في عام 1938، والمملكة تشهد إنجازات ونقلات حضارية نوعية عملاقة في جميع اتجاهات ومناحي الحياة، منها التعليمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المجالات.

هذه الإنجازات الحضارية وضعت المملكة بين مصاف الدول والاقتصادات النامية تقدماً، ما أهلها بجدارة لأن تكون عضواً ومؤسساً فاعلا في العديد من المنظمات الدولية المعروفة والمرموقة، من بينها منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة دول العشرين وغيرها من المنظمات الدولية.

ولكن رغم تلك الإنجازات وتبوؤ المملكة لمراتب عالمية مميزة على مستوى النمو والأداء الاقتصادي والحضاري والاجتماعي، إلا أنها كانت تفتقد لوجود رؤية مستقبلية واضحة لما سيكون عليه وضع المملكة مستقبلاً، اقتصادياً وحضارياً بما في ذلك اجتماعياً.

تداركاً لهذا الأمر المهم واستشعاراً بقيمته المستقبلية، أطلقت الحكومة رؤية المملكة 2030، التي أتت لتُرسي قواعد وأساسيات بناء مستقبل واعداً للمملكة، أكثر إشراقاً وازدهاراً وتفاعلاً مع ما يدور حولها من أحداث وتفاعلات عالمية، وذلك من خلال تأسيس بنية تحتية متينة وعهد جديد من القوة والتمكين للوطن والمواطن كفيل بأن يُمكن المملكة من أن تبدأ مرحلة تنموية جديدة، تُعنى بالتنفيذ وسرعة الإنجاز والأداء وفق مؤشرات أداء حكومية محوكمة بمتابعة حثيثة وعن كثب من مهندسها وعرابها سمو الأمير الشاب الطموح محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد الأمين.

هذه الرؤية الطموحة ارتكزت على ثلاثة مبادئ وركائز أساسية، تمثلت في أن يكون لدى المملكة اقتصاد مزدهر، ووطن طموح، ومجتمع حيوي، مستندة في تحقيق تلك الركائز على عدة عوامل وميزات تنافسية للمملكة، منها موقع المملكة الجغرافي المتميز الذي يربط ما بين ثلاث قارات رئيسة، وهي قارة آسيا، وقارة أوروبا، وقارة إفريقيا، والذي بدوره سيمكن المملكة وفقاً لتطلعات الرؤية، أن تكون محور الربط بين هذه القارات وتمكينها من أن تلعب دوراً مهماً وبارزاً في التجارة والاقتصاد العالمي عبر إنشاء منصات لوجستية تساعد على تدفق الموارد الاقتصادية والتجارية بين المملكة وتلك القارات وبينها وبين دول العالم، مما سيساعد على التحسين من مستوى الإيرادات غير النفطية، ويعمل على تنويع القاعدة الاقتصادية.

برأيي أن رؤية المملكة رغم مضي خمسة أعوام فقط منذ انطلاقتها المباركة في شهر إبريل 2016، إلا أنها حققت من الإنجازات الحضارية الملموسة على أرض الواقع مالم تحققه خطط التنمية الخمسية للمملكة التي امتدت على مدى خمسة عقود متتالية بدءا من عام 1970 (الخطة الأولى) ووصولاً إلى الخطة العاشرة، وما يؤكد على ذلك تحقيق المملكة لمراكز تنافسية متقدمة على مستوى العالم وتَمكنها أيضاً من تحقيق إنجازات نوعية على المستوى المحلي.

على المستوى المحلي، تَمكنت المملكة من تحقيق تنوع اقتصادي غير مسبوق عبر تنمية وتحفيز نمو عدد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية، من بينها قطاع الخدمات، وقطاع السياحة، ونشاط الترفيه، وقطاع الطاقة وقطاع التعدين، وغيرها من القطاعات.

هذه الحراك الاقتصادي مَكن المملكة ولأول مرة في تاريخها من أن تنمو الإيرادات غير النفطية بوتيرة أعلى وأسرع من نمو الإيرادات النفطية في العام الماضي. كما وتمكنت المملكة من رفع نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى 60% مقارنة بـ47% قبل 5 أعوام، وتمكنت كذلك من إنتاج 3600 ميجا وات من الطاقة المتجددة لأكثر من 600 ألف وحدة سكنية، ومضاعفة عدد المصانع بنسبة 38% ليصل عددها إلى 9984 مصنعا. أخيرا وليس آخراً، تَمكنت المملكة من مكافحة الفساد الإداري والمالي واسترداد الدولة لما مجموعه 247 مليار ريال إلى خزينتها العامة من تسويات الفساد خلال 3 أعوام فقط. وأيضاً قد تَمكن صندوق الاستثمارات العامة من رفع قيمة أصوله الاستثمارية التي كانت لا تتجاوز 570 مليار ريال في العام 2015 إلى 1.5 تريليون ريال قي عام 2020، وبنسبة نمو تجاوزت الضعف.

وعلى المستوى الدولي، تمكنت المملكة من التقدم 30 درجة في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال الدولي لتحتل المرتبة 62 من 92، هذا بالإضافة إلى حصدها للمركز الأول في التنافسية الرقمية على مستوى دول مجموعة العشرين، وتسجيلها لأسرع نمو في القطاع السياحي عالمياً بنسبة نمو ارتفعت إلى 14%.

أخلص القول؛ أن المملكة حققت من الإنجازات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والثقافية خلال الخمس سنوات الماضية، مالم تحققه خلال عقود مضت على المستويين المحلي والعالمي، وحتى على مستوى الإنفاق التنموي، إذ يتوقع إنفاق 27 تريليونا خلال العشر أعوام القادمة، ما يعادل إنفاق 300 عام مضت. كما تجاوز رصيد حجم الاستثمارات الأجنبية في المملكة حاجز الـ2 تريليون ريال في عام 2020 رغم ظروف جائحة فيروس كورونا الاستثنائية. جميع هذه الإنجازات وغيرها وما لا يتسع مساحة المقال لذكرها، تمت وما سيتم منها بفضل من الله سبحانه وتعالى ثم بفضل قيادة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز الرشيدة وساعده الأيمن الأمين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهما الله-، ورؤية المملكة الطموحة 2030 بقيادة عرابها الفذ سمو ولي العهد.