في مقابلته الأخيرة في قناة روتانا بمناسبة الذكرى الخامسة لإطلاق رؤية الخير، رؤية المملكة 2030 سئل سمو ولي العهد -حفظه الله- عن كيفية تحسين مخرجات التعليم، فذكر سموه أن التعليم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: التعليم العام، والتعليم العالي، والتعليم المجتمعي. وأن جميع هذه الأقسام ممثلة في مستهدفات الرؤية، ويهمني هنا ما ذكره سموه الكريم عن فلسفة المناهج في التعليم العام، يقول سموه: "التعليم العام قبل 30 عاما كانت وزارات التعليم تحرص على تقديم المعلومات، مثلاً في منهج الرياضيات تجمع المعلومات على مدى خمس أو عشر سنوات من قبل الحكومة وتقدم كمنهج دراسي لمادة الرياضيات، اليوم أصبحت المصادر مفتوحة، والذي نعمل عليه أن نقلل حجم المعلومة بحيث يتم التركيز على المعلومة المطلوبة، وعلى المهارات مثل تنمية القدرات، ومعرفة آلية البحث عن المعلومة، ومعرفة كيفية التخطيط للمستقبل".

ما طرحه سمو ولي العهد هنا بخصوص المناهج التعليمية لا سيما في مجال التعليم العام يتناغم مع التوجهات الحديثة في تخطيط المناهج وبنائها وتطويرها، فلم يعد المنهج عبارة عن مجموعة مواد دراسية، وليس هو ذلك المجموع من المعلومات والحقائق التي تطرح في صورة كتب مدرسية موزعة على عدد سنوات الدراسة، وهذا يعني انتهاء إحدى ركائز بناء المناهج التقليدية وهو: "المدرسة هي مصدر المعلومات ومستودعها". فلقد تعددت مصادر المعلومات نتيجة الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات، بل تجاوز مفهوم المنهج الحديث الخبرات والممارسات الصفية التي يمر بها المتعلم في مدرسته ليشمل تلك الخبرات والممارسات التي تمر به في حياته (التعلم المستمر)، كل هذا جعل فلسفة المناهج الحديثة تتحول من التركيز على المعلومات إلى التركيز على المهارات، فلم تعد المعلومة صعبة المنال وفي أي تخصص، بل إن كبسة زر واحدة كفيلة باستحضار كم هائل من المعلومات، وهنا يبرز المنهج الحديث كآليات لتعليم الطلاب كيف يديرون هذا الكم الهائل من المعلومات؟ وكيف يميزون بين المعلومة الصحيحة والمعلومة الخاطئة (تعليم الطالب كيف يتعلم)؟ كما أن التغيرات والتحولات الآنية والمتوقعة مستقبلا جعلت المنهج الحديث مطالباً بإعداد المتعلم للمنافسة العالمية وإكسابه عددا من المهارات، مثل القدرة على المنافسة وعلى الاختيار والقدرة على استشراف التغيير والاستعداد له.

والمتأمل في واقع المملكة يجدها منذ خمس سنوات تمر بعملية تطوير شاملة ربما هي الأكبر على مستوى العالم المعاصر جغرافياً، وعلى مستوى العالم التاريخي زمنياً، هذه القفزات صاحبها تغير سريع وإيجابي في بنى المجتمع الفكرية من ناحية، وفي متطلباته الثقافية من ناحية أخرى، وهذا بدوره يجب أن ينعكس في المناهج التعليمية، فلم يعد بالإمكان بناء المناهج وتخطيطها وتطويرها بمعزل عن هذه التطورات وعن قيم المجتمع الفلسفية والاجتماعية والسياسية والحضارية، كما أصبح على المناهج مراعاة تطلعات وحاجات البيئة ومتطلبات تنميتها، وكذلك علاقة المجتمع الذي تخدمه هذه المناهج بالعالم بمفهومه الواسع والذي أصبح قرية كونية صغيرة يتشابك في علاقاته ومصالحه.