في أحيان كثيرة يقودني الأسى على هويتي الإسلامية المشوهة بسبب الأعمال الطائشة والمجهولة المآرب، التي تسبب بها ولا يزال فئة ما عدت أدري على أي منهج إسلامي هم يسيرون، ولا عن أي جهاد يحكون. ومعظم أعمالهم المأساوية المتناقضة تنعكس سلبا على هويتي الإسلامية وتلقي بظلالها المشبوهة على تحركات وأقوال وأفعال المسلمين في بلاد الله المختلفة !

هذه الأفعال وما يصاحبها من تعاطف في بعض الأحيان وهيجان قد يصل لحد الغليان من فئات وأحزاب المجتمع الإسلامي المختلفة كانت تقود لسؤال واحد رئيس هو هل أفلح هؤلاء القوم المسلمون فيما يحسبونه نصرة للإسلام ودعوة له؟

أم أن تحركاتهم غير المحسوبة والمشتتة فتحت أبواباً وجبهات لا تعد ولا تحصى من الصراع العسكري والاقتصادي والإعلامي غير المتكافئ، لا قِبل لهم للوقوف أمامها إلا بتصرفات صبيانية لا تغير من اتجاه الريح القاصمة شيئاً؟

هذا السؤال وجدت الإجابة الكافية والمقنعة عنه في جزء من مقال للدكتور عبدالرحمن السميط ،أخصائي الباطنية والجهاز الهضمي، (خادم فقراء أفريقيا) الذي هاجر إلى مدغشقر هو وعائلته للدعوة للإسلام وإغاثة الفقراء والمحتاجين هناك.

(...علمني أحد زعماء القرى في مدغشقر الكثير بعد أن سألته لماذا أسلم ؟فقال منذ وصولك لقريتنا لم تتكلم الكثير عن دينك بل عن مكارم الأخلاق التي كان يتمتع بها أجدادنا ، فشعرت أنه لا يمكن أن تقطع المسافات وتتعب لمجرد الحديث عن أجدادنا لولا أن ما يؤمن به أجدادنا هو دينكم. إنك لم تهاجم المسيحيين كما يفعل المسيحيون عندما يزوروننا ويهاجمون الإسلام. ولم تنتقص من الآخرين الذين يخالفونك ، ولم تضغط علينا حتى نسلم ، فكيف لا تتوقع بعد هذا أن اسلم بل وأؤكد لك لو أرسلتم لنا داعية يعلمنا ديننا الجديد لأصبحت أنا داعية للإسلام في قريتي والقرى المجاورة. ..) عندما نقرأ هذا الجزء بتمعن ندرك حجم الشطط الذي نحن فيه فشتان بين العمل الخيري الصادق و المتقن والمنظم الذي يقود المستفيدين منه طواعية لاعتناق الإسلام عن قناعة ورضا، وبين الأعمال الخرقاء الإجرامية التي تسفك الدماء ويراد بها إظهار الإسلام وإكراه الغير عليه.

ماذا لو أن شبابنا المسلم المتحمس لعمل الخير ونشر الإسلام وجه طاقاته وعلمه لإنقاذ قارة كبيرة بها ملايين المعوزين التائهين المحتاجين فعلا للدعم والاهتمام لمواجهة الحملات التبشيرية التنصيرية والتي تتميز بالدعم الكبير والتنظيم المتقن والأسلوب الإنساني المحبب والحضور القوي والفعال في قارة أفريقيا، وكان جهادهم في عمل الخير مركزا على الدعوة للإسلام ونشره من خلال التطوع للعمل الإنساني والخيري في هذه القارة؟ أم أن ثقافتنا المشوهة لا تحمل معنى للجهاد إلا في حمل السلاح والتفجير وإزهاق الأرواح.؟

مشكلتنا الحقيقية هي في فهمنا القاصر لمعنى العمل الخيري وأدواته ، فنجعله قاصرا على بذل المال وحسب. مع أن العمل الخيري الحقيقي هو ما يقوم به الإنسان بنفسه ويجبرها على التنازل من أجله لمساعدة المحتاجين والفقراء. في الجامعات الأوربية ينشط عمل الجمعيات الخيرية والتنصيرية والتي تستقطب حماس الطلبة والطالبات وحبهم للمغامرة وعمل الخير باستثمار عطلاتهم الصيفية للعمل في المستشفيات والمدارس والمراكز الخيرية في الأماكن النائية والمنكوبة في فترة الصيف. فتحقق بذلك غايات عدة : ترسخ العمل الإنساني الخير في قلوب هؤلاء الشباب والشابات ، تستثمر طاقاتهم الجبارة وحماسهم في تطوير ورفع أدائها الميداني ،تساعدهم على اكتساب خبرات ميدانية في مجال دراستهم وخصوصا في التخصصات الطبية والعملية ،كما أنها ترسخ عقيدتهم في قلوبهم من خلال إعطاء معان أخرى للحياة تتماشى مع فلسفتهم الدينية دون أن تضر بمصالحهم الدنيوية.

فلماذا لا يقاوم الفكر الإرهابي الانتقامي في ثقافة شبابنا ومنابر الضلال الداعية له بفكر خيري أرقى وأجدى نفعا في المرحلة الحالية يستوعب حماسهم الديني وفورتهم الشبابية في مشاريع إنسانية تنقذ الأرواح بدل أن تقتلها أو تستبيح دماءها ، تساهم في البناء بدل السعي وراء الدمار والتفجير وقبل هذا كله تُظهر الصورة الحقيقية للإسلام الذي يشجع على العمل التطوعي الاجتماعي والإنساني، من خلال تشريعاته وآدابه ويتفوق على كل الأديان في ذلك. سيرة الدكتور عبدالرحمن السميط الدعوية الناجحة والمشرفة تظهر الفرق الواضح بين العمل الخيري والدعوي في أدغال أفريقيا وبين ما يدعيه البعض من نصرة للإسلام ودعوة له في قمم جبال تورا بورا وما شابهها. فالسميط وابن لادن سيرتان خليجيتان إسلاميتان هاجر كل منهما لغايته. تظهر لنا واقع الإسلامي الحالي وتناقضه.

وفي أوج هذا اللغط الإعلامي الكبير ومع تعدد قنوات الجذب والتضليل ليس لنا إلا أن نحمي شبابنا وأجيالنا الحالية والقادمة بإيجاد قدوة صالحة ومعاصرة لهم قادرة على التفوق على أي إغراء يمكن أن يشعله صوت سلاح أو صور لأحزمة ناسفة مع أناشيد رنانة. هذه السير الصالحة يجب أن تجد لها مكانا مناسبا وحضورا قويا في مناهجنا وإعلامنا لأنها صور حقيقية وواقعية لروعة الإسلام وأهله.

salfawaz@hotmail.com