لقد أضافت التكنولوجيا التزامات وأعباء جديدة وإن لم نأخذها بجد فسوف تسيطر علينا، وفي هذا يصدق علينا المثل الأميركي (احذر ما تتمناه)، التكنولوجيا لها جوانب إيجابية ولكن إن لم نضع بعض القيود عليها فلن نجد مكانًا نختبئ فيه..

عندما نتوقف عن التفكير من منظور البدايات والنهايات، أو الخطأ والصواب أو، النجاح والفشل، تتحول الأشياء والمواقف إلى تجارب تعلم وليست تجارب إثبات، فالتجربة محاولة لصنع الواقع.. محاولة فخطأ ثم محاولة فإخفاق ثم يأتي النجاح في النهاية ثمرة للمحاولة، فالتجربة لا تستهدي بعرف سابق أو قانون قديم وإنما بأمل شجاع متوجه نحو المستقبل، فالحياة الفاعلة تعلمنا مهارة الانتقال من تجربة إلى تجربة ومن فكرة إلى أخرى، فكل لحظة حالية هي في الواقع لحظة جديدة، والجديدة تفضي لما هو أحدث منها، وما علينا إلا أن نتمسك باللحظة الحالية.

فعندما ننظر إلى واقعنا اليوم نجد أننا نعيش في أكثر العصور ثراء وتمدنًا في الإمكانات والخيارات والفرص، وما علينا إلا أن نتقبل هذه الحقيقة ونقيم علاقة حقيقية مع الواقع، ولكن من غير الممكن أن نبلغ ما نريد إذا لم نضع أنفسنا في الموضع الصحيح ونفكر بطريقة مختلفة ونركز على ما نريد، فليس النجاح واقفًا على جيل دون جيل أو إنسان دون آخر، وإنما يتوقف على الطريقة التي نفكر بها، والهدف الذي نسعى له، ومقدرتنا على توقع نتائج أفكارنا، فإذا كنا على قناعة بما نود أن نكون عليه فلن نجد أمامنا شيئا مستحيلًا، فالسلسلة الكاملة لخبرات وتجارب البشر بين يدينا، وما علينا إلا أن ننظر في الاتجاه الصحيح ونخطو الخطوة الأولى.

فالنجاح سلسلة من الأفكار، ولكن علينا أن نفكر في طرق جديدة وأنماط إيجابية، فالوهن أو العجز لا يعودان إلى أسباب تتعلق بالعمر، بل يعودان إلى فقدان الحيوية والإرادة وقوة العزيمة.

ولكن هل نعرف ما نريد بالضبط لحياتنا؟ هذا يعتمد على طريقة تفكيرنا وإرادتنا وفعلنا. فعندما نسعى إلى التغيير بإرادات متناقضة ومشاعر مضطربة فلن نتغير، كأن نريد التغيير في اللاوعي ونتشبث بنمطنا القديم، فمعظمنا لا يفكر بالتغيير إلا أن يحدث شيء ما في حياته أو يتعرض لموقف، عند ذلك يصبح التغيير في إطار التمني وليس إطار الحقيقة، فإذا ما كنا نريد التغيير ندرك أن المسألة ليست فيما إذا كنا نستطيع بل فيما إذا كنا سنفعل.

لماذا أتمسك بعلاقة معقدة أعاني من تبعاتها أو أسلك مسالك حياتية لا تلائمني؟ فعندما تصبح الحياة بلا معنى تتحول إلى روتين وعادة، وأنماط تفكير مملة، وفقدان لجاذبية الحياة، فما يهدد الإنسان الحديث اعتقاده بأن حياته لا معنى لها، لقد أعادت التكنولوجيا تصميم الحياة بطريقة أخرى فعلى الرغم من أن لدينا وقتًا طويلًا إلا أن المتوفر منه هو القليل، وهنا يتساءل د. أليكس باتاكوس أين يذهب كل هذا الوقت؟ ويجيب في الوقت نفسه معتبراً التكنولوجيا ومشتقاتها أكبر سارق للوقت.

في زمن هواتف الرد الآلي لم يكن التواصل أو الرد الآلي أو عدم الرد مشكلة معقدة أو قضية اجتماعية، فهنالك فسحة من الوقت وحيز من التفكير ومساحة من التسامح، الآن تغيرت الطريقة مع وسائل التواصل الجديدة فأصبحت تتسلل إلى حياتنا بطرق لا حصر لها، كرست فينا التبعية السيكولوجية، ووضعت علاقاتنا في إطار لا يتيح لنا حرية الاختيار، وأجبرتنا على أن نكون في صورة لا نريدها، وهذا يربي فينا الاتكال سلوكياً على ثقافة الواجب الاجتماعي، فإذا لم نجب في الحال على رسالة إلكترونية فقد يبدو هذا إهانة شخصية وقصورا مهنيا يترتب عليه استياء واضطراب في العلاقة.

لقد أضافت التكنولوجيا التزامات وأعباء جديدة وإن لم نأخذها بجد فسوف تسيطر علينا، وفي هذا يصدق علينا المثل الأميركي (احذر ما تتمناه)، التكنولوجيا لها جوانب إيجابية ولكن إن لم نضع بعض القيود عليها فلن نجد مكانًا نختبئ فيه، لقد انطوى عالم ما بعد الحداثة على ثقافة افتراضية سيطرت على العالم، ولكن هذه العولمة جعلت كل القضايا والمسائل نسبية، للمسألة الواحدة عشرات الوجوه، فالقطع بلهجة نهائية لأي قضية أو حدث أو مسألة صار أمرًا عسيرًا، وأصبح عدم اليقين هو شعار العالم الافتراضي، ولكن كل شيء يرجع إلى الوعي، فحاجتنا اليوم إلى الوعي أكثر من حاجتنا إلى الذكاء، فعندما نعيش حياتنا بوعي نرى عالماً مليئاً بالفرص والخيارات والإمكانات والثراء والأفكار، وكل ما علينا هو أن نأخذ الحياة بجدية على نحو كبير ونسيطر على أوقاتنا، فالسيطرة على الوقت موهبة عظيمة.