الاهتمام بالاتصال والتواصل من أقدم الاهتمامات الفكرية والاجتماعية ويرى المؤرخون أن الاهتمام بالاتصال بدأ قبل القرن الخامس قبل الميلاد، مع كتابات البابليين والمصرين القدماء، كما وجدت ملامحه ومميزاته في إلياذة هوميروس. ولكن مع التقدم والتطور البشري وبعد الثورة التكنولوجية ظهرت وسائل الاعلام المرئي والمسموع ثم الإنترنت التي لم يكن أحداً يتوقع أنها ستقلب موازين حياتنا الفكرية والاجتماعية والنفسية، وكان الوعي يزداد مع كثرة التواصل بجميع أنواعه وامتداد أفقه داخلياً أو مع العالم الخارجي، وكان الأدب هو أحد نوافذ التعبير. فقديماً كان الشـاعر أو الأديـب هـو الإعلامي في فتـرات متعـددة، وكان الأدب يثير كثيـراً مـن القضايـا الفكريـة والثقافيـة التـي كانـت محـل شـد وجـذب وأخـذ ورد بـين فئـات المثقفـين والإعلاميـين والأدبـاء، لعـب فيهـا الإعلام دوراً بـارزاً مـن خلال إذكاء حالـة مـن التنافسـية والصـراع كان لهـا أبلـغ الأثـر في تطـور التـراث الفكـري بشــكل رائــع ومــا زلنــا نحيــا مــن خلالــه، ومــا المعــارك الأدبيــة بــين طــه حســين والعقــاد والرافعـي، وبـين المـدارس الأدبيـة الكلاسـيكية والرومانسـية وحـركات التجديـد، عنـا ببعيـد؛ لذلــك أقبــل كافــة المثقفــين علــى المــادة الأدبيــة برغبــة وشــوق، فكثــر الابتــكار والإبــداع بينهم. ومع وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الناس أقل صبراً ويحبون الأشياء السهلة، يقول النقاد: "إن الناس يبتعدون عن القراءة، ويفضلون رؤية صورة أو اللعب داخلها، بدلاً من تخيل صورة من كلمات مصاغة بعناية" قلة هم الذين يكلفون أنفسهم عناء قراءة كتاب أو كتابته عندما يتمكنون من نقل نفس الرسالة في بضعة أسطر فقط مثل: "أعجبني" و"أُفضل"، ولكن ما الذي يدفع الناس لهذا الكسل هل هو غياب روح الصبر، أم فقدان قيمة الأشياء من حولنا، السرعة لن تنتج أدباً أو علوماً أو صناعات أو حتى فناً ودراما، السرعة تفقدنا قيمة وطعم كل شيء، ففقدان روح التنافس الذي يذكي الإبداع ويرفع المعايير وحالة الاستلاب الفكري والفجوة بين واقعنا وبين العالم الافتراضي تحتاج إعادة نظر، ونحتاج لتصحيح ما دمّرة المتعجلون في كل شيء، ففي وسائل التواصل الاجتماعي كثرة "التفضيل" "والإعادة" لا تعني أنك ناجح لأن هناك من يمر ويضع تفضيلاً فقط لأنه قرأ الكلمة الأولى أو لأنه يعرفك فقط، فهذا ليس معياراً للتميز والنجاح، النجاح هو منتج يقدم بمعايير تتوافق مع المعايير العالمية في كل منتج، وإذا كان العالم أصبح قرية صغيرة بفعل الإنترنت وعوالمها الافتراضية فلماذا لا نأخذ من هذا العالم المشتركات الحقيقية والتي تدفع بنا للأمام؟