يطرح هذا السؤال بكثافة في دوائر علميّة وتقنيّة في محاولة لاستكشاف مشكلات وحاجات إنسان العصر بعد أن تدخلت التقنية الحديثة في كل تفاصيل حياته. طرحت مجلة "فوربز" السؤال منتصف مطلع 2019 بالاستفادة من نقاشات مفتوحة على الإنترنت. وفي كل الأحوال يبدو أن النقاش لم يعد حول المآلات فقط وإنما الاحترازات، فقد ظهرت أجزاء من صورة المستقبل في تراخي حبال الروابط الاجتماعيّة وبروز ظاهرة الحريّة الفردانيّة التي لا تقيم وزناً لمفاهيم الأسرة والدين والقيم حتى مفهوم الوطن ومكتسباته.

وبحسب "فوربز" فإنه في العصر الصناعي وعصر المعلومات، كان هناك تفاؤل واسع النطاق بأن التكنولوجيا ستحل في النهاية جميع مشكلات المجتمع مثل الفقر والمرض والعنف وغيرها. ولكن تَبَعاً لاستنتاج المقال فإن الملاحظ في السنوات الخمس الماضية أو نحو ذلك، حقيقة أن المزيد من التكنولوجيا، في حد ذاتها، لا يمكن أن يكون الحل، ومع أن الأنظمة التقنية المطبقة في عالم اليوم تحل بعض المشكلات، إلّا أنها تخلق مشكلات أخرى قد تكون بالقدر نفسه من الحدّة.

ومن جهة أخرى، هل يمكننا المغامرة بالقول: إن عصر المعلومات بمفهومه التقليدي على وشك النهاية باكتماله على مخازن الإنترنت؟ ربما إذا راقبنا كيف أصبح العالم اليوم بفضل شاشات الجوال والإنترنت المتاحة في كل مكان يدخل لما يمكن تسميته عصر "التشاركيّة" التي يتبادل فيها الناس الخبرات والمعارف والتدريب على المهارات عبر الشبكات الاجتماعيّة على مدار الساعة.

المعلوم أن الحضارة الغربيّة (الأوروبيّة) شهدت حقباً تاريخيّة طبعت بخصائصها شخصيّة مجتمعاتها وأثرت في كل شيء تقريباً مثل العصور المظلمة (ضعف الإنجازات الحضاريّة الماديّة والجهل والتعصب) وعصر النهضة (الصحوة الثقافيّة والحضاريّة) ثم عصر التنوير (سيادة العقل والمنطق). وهي الحال ذاتها مع عصر المعلومات الذي خلق مجتمع المعلومات ولكن التأثير الأكبر هنا لم يكن بسبب أو نتيجة للدور التاريخي للنخبة الفكريّة في مجتمعات اليوم بل كانت مغالبة فريدة أخذت في صورتها الكبرى الطابع الجماهيري العفوي على المحتوى ثم تملكت الجماهير المنصات مع المحتوى في سابقة تاريخيّة لم تتضح كل معالمها بعد.

من جهة أخرى، فقد اتضح مع التقنية كيف ضحى إنسان اليوم بكل خصوصيته وحياته الشخصيّة التي يتفنن في نشر تفاصيلها أمام الغرباء في حين مازال يسكن في بيته (في أوروبا على وجه الخصوص) من ظل يرفض وضع صورته الشخصيّة على رخصة القيادة حتى سنوات قريبة.

  • قال ومضى:

أي علاقة إنسانية هذه.. وأنت وأنا قد علّبناها في رسالة إلكترونية باردة نكرّرها كل موسم.