إننا لا نفكر أن صعوباتنا لا وجود لها في الحقيقة، وهذا يعود بنا إلى نوع الوعي الذي يكتنف حياتنا، والسبب أننا أصبحنا معتادين للغاية على أن عقبات الحياة حقيقية وليست وهمية، فنحن لسنا واثقين على الإطلاق بالحقيقة..

يكتنف حياتنا أحياناً حالات ضعف تحدث لنا عوائق كثيرة تأخذنا خارج إطار المسار الصحيح والتي تتشكل في الواقع من قناعات وأفكار ومفاهيم خاطئة.

قد نفكر بالتغيير الإيجابي لحياتنا إلا أن سلوكنا يتنافى مع تفكيرنا، ولكن قبل ذلك علينا أن نتعلم مبادئ التفكير الفعال واستكشاف مواطن الضعف وتركيز انتباهنا على المواطن التي لا تجعلنا في حياتنا ننمو نمواً كاملاً.

وهذا يوجب علينا أن نحرر أفكارنا وقناعاتنا ومفاهيمنا من الأوهام، فإذا ما سلكنا طرق الحياة الحقيقية تصور لنا أذهاننا سلسلة طويلة من العقبات والمصاعب والمتاعب غير مدركين بأنها مجرد أوهام وليست حقائق اختلقتها أذهاننا.

يقول جورج برنارد شو: دائماً ما يلقي الناس باللوم على الظروف إلا أنني لا أؤمن بالظروف فالذين يحققون تقدماً ونجاحاً في حياتهم [لا يركنون للظروف].

فإيجابيات الحياة تفرض علينا أن نكرس وقتنا للحقيقة بطريقة موضوعية ولكن معظم الناس لا يفكرون بهذه الطريقة، وقد قال توماس أديسون: إننا نبحث عن الأفكار التي تؤيد وتتفق مع ما نفكر فيه أو نريده بالفعل ونتجاهل الحقائق مع الأسف لأننا نريد الأفكار التي تبرر أفعالنا وتصرفاتنا والطريقة التي نفضلها حتى ولو لم تكن على صواب.

إنه بإمكاننا أن نختار أفضل الأشياء إن قررنا أن نتولى مسؤولية أنفسنا بطريقة صحيحة. هذه التلميحات ربما تكون فعالة فليس من السهل أن نستأصل عادات التفكير التي ترسخت في أذهاننا وإن كان من الخطأ أن نتشبث بها.

زرت يومًا أحد الأكاديميين في واشنطن وكالعادة فإن الأكاديمي عادة ما يختار إحدى القضايا أو الموضوعات الفكرية داخل الحقل الأكاديمي ويتناولها بموضوعية ووضوح تام إلا أنني في هذه المرة رأيت أن أفتح معه أسئلة جديدة وأعرضها للنقاش لنأخذ كامل وقتنا للحديث حولها لم يكن هذا الأكاديمي مفكرًا فحسب وإنما كان أيضاً إنساناً كبيرًا.

كانت الأسئلة التي انشغلنا بها كثيرًا عن إشكالية العلاقة ما بين الظروف والتطور وحالة الانسجام بينه وبين طلابه ويمكن أن نقول أيضاً بينه وبين الآخرين.

قال لي: إن الظروف يخلقها ذهن الإنسان ليوقف حركة تقدمه وهي حلقة من حلقات الوهم وليس لها علاقة بالحقيقة فعندما يتأسس التفكير على التقاليد والأعراف والعاطفة وليس على العلم يتجاوز بالفكرة حدودها ويكون تأثيرها سلباً شاملاً وعميقاً.

أما عن حالة علاقاته بطلابه أو مع الآخرين فإنه لم يصدر أمرًا لأحد في حياته وإنه كان في الواقع يطرح اقتراحات وليس أوامر، يقول: فلم يسبق لي أن قلت لأحد سواء كان طالباً أو غير طالب افعل هذا الأمر أو لا تفعله، فقد كنت أقول [ما رأيك في هذا؟ أو [يمكن أن تفكر في هذا الموضوع؟] و[ربما لو استخدمنا هذه الطريقة لكان أفضل] فقد كنت أعطي الفرصة للآخرين أن يفعلوا ما يريدون وإن كان هذا الأسلوب في أميركا من البديهيات إلا أنه يعكس بصورة أو بأخرى نوعية التعامل الناضج.

إن كثيرًا من الناس سواء كانوا طلابًا أو غير طلاب يبحثون عن التعاطف في ثنايا الأسئلة أو في ثنايا الإجابات، ولذلك فإن من الأفضل تقديم الاقتراحات على هيئة أسئلة وترك الآخرين يتوصلون إلى النتائج بأنفسهم.

فالتفكير ليس إلا عملية طرح أسئلة إنسانية أو لنقل عاطفية والإجابة عليها، فإذا ما أردنا أن نغير حياتنا يجب علينا أن نغير طريقة الأسئلة، فطرح الأسئلة هو الطريقة المثلى التي نتعلم منها كل شيء تقريبًا.

فقد كان الفيلسوف الإغريقي سقراط يرى أن دور المعلم ينحصر في إلقاء الأسئلة ودفع الطلاب للتوصل إلى الإجابة عليها.

في كتاب الأسئلة والذي حظي بشهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية يسلط الضوء على الأسئلة التي تؤثر في حياتنا وترفع من قدراتنا ونوعية تجاربنا، فالفرق الأساسي بين الفرد الذي حقق نقلة نوعية في حياته والآخر الذي أخفق في ذلك هو الفرق في طريقة طرح الأسئلة واستثمار إجاباتها.

فالأسئلة النوعية كما يقول د. روبنز تخلق حياة نوعية، فقد كان السؤال الذي طرحه هنري فورد على نفسه في يوم ما وهو [كيف يمكن لي أن أصنع سيارة]، كان هذا السؤال هو الذي قاده لصناعة سيارة فورد الأميركية.

فالفرق بين الناس يكمن في نوعية الأسئلة التي يفضون بها أو يتلقونها، فعندما يكون الإنسان في حالة نفسية أو قد نقول مكتئبًا أو متوتراً فإننا نقرأ حالته المزاجية من طريقة أسئلته، والتي تظهر في صورة عقبات وظروف، فعندما يكون سلبياً أو محبطاً فإن أسئلته تكون بالصورة التي هو عليها.

فالأسئلة التي نطرحها تظهر كيف نفكر.

يقول أينشتاين: عليك ألا تتوقف عن طرح الأسئلة. فالنظريات التي توصل إليها أينشتاين كانت بسبب كثرة الأسئلة التي ترد إلى ذهنه.

فتعلم طرح الأسئلة يمنحنا الاستشراف والاستكشاف، فالأسئلة تركز تفكيرنا على شيء ما سلبًا أو إيجابًا، فلها قوة تأثير علينا، ولذلك تساعد على الانتقال إلى وضعية أفضل، وحين نكون في وضعية أفضل نتوصل إلى أساليب أفضل في التعامل مع الحياة وندرك بأن من واجبنا أن نسيطر سيطرة واعية على طريقة إدارة أسئلتنا، وأن نفعل ذلك بصورة معتادة، وأن نكون قادرين على تغيير وضعيتنا، وهذه إحدى المهارات الأساسية في تقنيات طرح الأسئلة والتي تفضي بنا إلى التوازن.

وهنا أعود إلى ما بدأت به بأن العقبات والصعوبات مجرد أوهام يخترعها ذهن الإنسان ليؤكد بها عجزه، يؤيد هذا الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس عندما يقول: إن الذين لا يلاحظون مسارات أذهانهم لابد بالضرورة أنهم في مأساة.

لنجرب الآن شيئًا يضعنا في علاقة مختلفة مع الحياة وذلك من خلال زيادة وعينا بمهارات الأسئلة مع واعينا بالأسئلة التي نطرحها على أنفسنا وعلى الآخرين.

فإن تفكيرنا في أي حدث مؤلم يجعل معاناتنا دائمة وليست مؤقتة، ولذلك علينا أن نتوقف عن عرض الأسئلة السلبية التي تمنحه الطاقة الدائمة.

إننا لا نفكر أن صعوباتنا لا وجود لها في الحقيقة، وهذا يعود بنا إلى نوع الوعي الذي يكتنف حياتنا، والسبب أننا أصبحنا معتادين للغاية على أن عقبات الحياة حقيقية وليست وهمية، فنحن لسنا واثقين على الإطلاق بالحقيقة.