هل تعرفون لماذا نجد صعوبة في إقناع الجمهور العربي بالقراءة؟ حسناً، دون توجيه أصابع الاتهام لأحد، سأقودكم إلى قصص كان من المفروض أن تُروى لإثارة فضوله، لأن الكاتب بشكل ما هو ذلك الشخص الذي يملك سراً، وقد قرر أن يبوح به لقارئه، ولكن قلّة جداً من يعرفون إخبارنا بذلك بالشكل الجذّاب الصحيح. هل سمعتم مثلاً بالكاتب التونسي الصافي سعيد؟ إن أجبتم بلا، فأنتم مخطئون، فهو مبتكر عبارة "الربيع العربي" التي استعملت لوصف انتفاضات بعض الشعوب العربية. والرّجل له باع طويل في النضال السياسي، عاش حياة مغامرٍ متنقلاً بين عدد من دول إفريقية، وأوروبية، وعربية، تعرّض في إحداها للاعتقال لأسباب غريبة. عاش في لبنان إبان الحرب الأهلية، ونشر مقالاته في جريدة السفير الشهيرة. عاش في باريس أيضاً قبل عودته إلى تونس ليترشّح مرتين لرئاسة الجمهورية، خسرها، لكنه فاز بمقعد في البرلمان. حياة الرجل تبدو مثيرة حتى بما خفيَ منها، فما نعرفه مجرّد عناوين لمغامرة طويلة، بدأت منذ أيامه الجامعية في الجزائر، إلى تفرغه للكتابة بعد تربعه على كرسي النيابة.

ككاتب لا يمكن تصنيفه سوى بضمِّه لقائمة الكتّاب الجيدين، وإن كان للعاملين في عالم التّرويج للأسماء الأدبية رأي آخر بإبعاد الأضواء عنه. يتميز قلم الصافي سعيد بجمال أخّاذ، لغة انسيابية رشيقة، خامة جيدة يشكّل منها كائنات حقيقية، نشعر خلال قراءته أنه يحسن ضيافة قارئه، إذ لا يدخله إلى عالمه إلا وهو محتفٍ به بما يليق بعقله وذائقته.

في روايته "الكيتش 2011" الصادرة عن سوتيميديا للنشر والتوزيع بتونس العام 2016 يصف في نموذج أحب أن أقدمه لكم، حياة الرّوائي، ولعلّه يقصد نفسه فيقول: "فهو يكتب حياة أخرى متدفقة، ذات إيقاعات متصاعدة ومتوترة، مصنوعة من بؤس العزلة، فتصبح أكثر متعة من الحياة الواقعية، الرّتيبة، والكئيبة التي نعيشها، والتي لا نتدخل في مجراها إلاّ وهمياً! وبذلك فهو يصنع من عزلته أقصى درجات متعته. وها إني أدعو القراء إلى مشاركتي في هذه المتعة، فأقول: أن من حرم نفسه من متعة القراءة، عاش حياة واحدة بائسة.. ومن عاش عزلة الكتابة، عاش حياة مليئة بالمتع..!" وهي رواية تختصر تحليله لكل ما حدث في بلدان العرب من حراك انتهى بالفشل، واضعاً أصبعه على الجرح "لأننا لم نتعلّم الحب، لن نصنع أبدا ثورات".

صحيح يروي الكاتب حكايات كثيرة محاولاً إبهار قارئه والوصول إليه بأفكاره، لكن في الغالب تكمن حكايته المبهرة في تفاصيل حياته التي لا يهتم بها أحد ولو من باب الفضول، ربما في وقت لاحق سنعرف كيف نقدّم كُتّابنا دون أقنعة، فيصبحون أكثر قرباً من عقول الناس وقلوبهم. إلى ذلك الوقت يمكن الحصول على الرواية عبر بعض المواقع، واكتشاف كاتب جيد من غير المستهلكين.