بينما لاتزال النقاشات حول الصحافة الرصينة وليست التقليدية كما يحلو للبعض أن يطلق عليها، تبشر مع كل يوم بصعوبات كبيرة تواجهها مع غزو وسائل التواصل الاجتماعي، ومساهمة التطورات التقنية في خلق بيئة بديلة لأشخاص أصبحوا نجوماً بهذا المجال بعد أن كان بعضهم حلمه أن يشاهد اسمه بالصحيفة ضمن الناجحين بالثانوية العامة، وهذه حقيقة لا يجب أن نتجاهلها، خصوصاً مع من يفرحون بأي أخبار عن الصعوبات التي تواجهها وسائل الإعلام الرصينة ومن صحف وتلفزيونات وإذاعات، وهذه الصعوبات طبيعية ويشهدها العالم، وحلولها ليست صعبة ولكن قد تكون بطيئة وأحياناً تحتاج لإمكانات مادية وبشرية.

أقول بينما هذه النقاشات مستمرة، ولأن العالم متغير ومتسارع والبقاء لم يسخر التقنية لصالحه، ويتصالح مع الواقع الذي يعيشه، من دون - بطبيعة الحال - أن يتحول لتافه أو فتاة إغراء ماسخة بهوية إعلامية، نجد أن الصحافي كيفن روس من صحيفة "نيويورك تايمز" وحسب ما تناقلته وكالات الإعلام الدولية، استطاع أن يغير المعادلة الإعلامية ويفتح مجالاً جديداً غير مسبوق بوصول سعر المقال الذي كتبه واستعان فيه بتقنية "NFT" إلى 560 ألف دولار، تخيلوا هذا الرقم الكبير لمقاله، ذكر روس أن الرقم الأولي الذي حدده لسعر مقالته لا يتجاوز 850 دولاراً، بخلاف رسوم التسجيل بهذه التقنية وإجراءاتها، والذي كلفته تقريبا 100 دولار، أي جنون تستطيع التقنية أن تصله فينا، مغمورون وبتفاهات بعضهم بالسناب أو تويتر أو يوتيوب ناموا على مقطع عملوا، وصحوا على شهرة خيالية وتهافت الإعلانات وامتلاء حساباتهم بالملايين، وروس نموذج بسيط ولكنه هذه المرة عبر مقال ومن خلال صحيفة رصينة.

مقالة روس بطبيعة الحال والذي يمثل صحيفة عمرها أكثر من 170 عاماً تنبع أهميتها بكونها أول مقالة تستخدم تقنية "ان اف تي" وحسب روس فهي تعامل تاريخياً بأنها أول مقالة مثلها مثل أول بث لبعض القنوات، وكذلك الحال مع تغريدة مؤسس تويتر جاك دروسي والذي باع أو تغريدة له على تويتر بمقابل 2,9 مليون دولار، وهذه التقنية التي تعتمد على ما يعرف بتكنولوجيا "بلوك تشين" والتي تتم مراقبتها بحذر بالوقت الحالي قد تكون تحولاً كبيراً، وتغير الطريقة التي يتم بها إنشاء السلع الرقمية واستهلاكها وتداولها عبر الإنترنت، أو تكون فقاعات لمضاربات مالية لملاك العملات الرقمية التي أصبحت واقعاً وتعادل قيمة العملة حالياً 50 ألف دولار وبدايتها قبل سنوات محدودة لا تتجاوز الدولار.

أي نحن من هذا العالم، هذه التقنية هي فرصة للأعمال الفنية التشكيلية والتصوير والموسيقى ويمكن مقاطع الفيديو، هل ستصل أعمالنا لهذه الأرقام الفلكية؟ هل ستتحول الأعمال الصحفية عبر NFT لدينا إلى أعمال بقيم مالية تصل لمئات الألوف، مستقبل متغير، وعام يتسارع، ومن الممكن من مقال أو خبر بعد تسجيلك في هذا العالم وبمبلغ لا يتجاوز 500 ريال أن تصبح من أصحاب الملايين، فرصة للدخول في هذا العالم لمؤسساتنا الإعلامية وكتابنا، قبل أن يتحول لمجرد فقاعات رقمية، من سيعلن أن مقاله للبيع بتقنية "ان اف تي" طبعاً من خلال الصحيفة التي يكتب فيها.