أهداني الأمير د. عبدالعزيز بن محمد بن عياف كتابه الصادر حديثاً بعنوان "الإدارة المحلية والقطاع البلدي: التحديات والتطلعات". وكما يشير العنوان، فقد قدم أمين مدينة الرياض السابق، استعراضاً لخلاصة تجربته العلمية والعملية التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في التخطيط العمراني والإدارة المحلية دراسة وتدريساً وممارسة.

سيجد قارئ الكتاب طرحاً سلساً عن تحديات الشأن البلدي والحلول المتاحة لتجاوزها، من الحلول ما طبق في مبادرات نفذت وأصبحت نتائجها واقعاً، وأخرى في طور التنفيذ. ولأن د. عبدالعزيز قد سار بوادي التجربة كما يسمى أحياناً، بعد أن أمضى وقتاً في جمهورية النظرية أستاذاً، فهو اليوم ناظر بعين فاحصة ناقدة للطريق الطويلة التي اجتازها لتنمية إحدى أهم عواصم العالم في العصر الحديث، ولأن التجربة غنية، ستجد الكتاب يتدفق بالموضوعات التي مع العناية بتنسيقها رسمت خطاً واضحاً للإدارة المحلية من جوانب عديدة.

سنجد أن من أبرز ما يميز تجربة د. عبدالعزيز ارتباطها بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما كان أميراً لمنطقة الرياض، ولو أن العمل مع الملك سلمان في تلك الفترة يستحق كتاباً مستقلاً، فإن الإشارات التي خصصها الكتاب لهذه الفترة تعطي انطباعاً عميقاً عن الدور المهم الذي لعبه أمير منطقة الرياض آنذاك في هندسة المدينة، فقد عكست مشروعات المدينة رؤية أميرها للمزيج الفريد من الأصالة والمعاصرة الذي يعبر عنه مصطلح العمارة السلمانية، لكن الكتاب يفتح نافذة أخرى للمنهج الإداري الذي تفرد به أمير منطقة الرياض آنذاك، الذي عبر عنه د. عبدالعزيز بالنهج الإداري الخاص الذي يجمع بين المركزية واللامركزية.

وفي سياق مماثل، نستذكر ملاحظة د. غازي القصيبي -رحمه الله- عندما تعلم طريقة جديدة لقراءة الخطابات وهو يتابع الملك سلمان يقرأ الخطاب بعد الآخر بسرعة لافتة، فلم يصبر د. غازي حتى سأل عن سر هذه السرعة، فكانت إجابة الملك سلمان أن الخطاب عادة مكون من ثلاثة أجزاء: جزء للديباجة وآخر للخاتمة لا حاجة لهما، وما بينهما موضوع الخطاب الذي يقرؤه بعناية.

يلخص د. عبدالعزيز بن عياف رؤيته لمستقبل مدينة الرياض في تحقيق الاستقلال المالي والإداري ضمن رؤية جديدة تحقق مفهوم الإدارة المحلية، وقد عمل على تحقيق هذه الرؤية منذ أن كان أميناً، حيث حقق منها إنجازات مهمة، وبقي منها ما يحتاج تحقيقه إلى عمل المزيد مستقبلاً، ولعل رؤية 2030 تسرع من تحقيق كثير من الطموحات التي عبر عنها الكتاب مع الأمل بتحقيقها سريعاً خصوصاً أن بعضها تحقق من خلال التشكيل الجديد للهيئة الملكية لمدينة الرياض برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مع أن الحديث عن مدننا اليوم موضوع يهم الجميع، لكن ما يطرح حولها قليل للأسف، لذلك أجد كتاب د. عبدالعزيز إضافة مهمة لإشراك الرأي العام في حوار التنمية الحضرية في المملكة.