إن تطبيق المنهجية الغربية التاريخية على الإسلام أو العرب يرتبط في الغالب بموقف فكري أنتجه تاريخ طويل من سنوات الاستعمار العسكري والفكري التاريخي، وفي هذا تجنٍ على المعرفة..

يعرض كتاب "الاستشراق بين دعاته ومعارضيه" سجالاً  فكريًا محاولًا الإجابة على الأسئلة الحائرة حول المسألة الاستشراقية.

الكتاب عبارة عن مجموعة نصوص كتبها في مناسبات متفرقة بعض المفكرين، د. محمد أركـون، ود. مكسيم رودنسون، ود. برنـارد لويـس، ود. كلود برنار ردًا على أفكار نشرت حول ظاهرة الاستشراق وإن كانت رؤية أولئك المفكرين الاستشراقيين تقوم على فرضيات واحتمالات وليست على أمور علمية، إلا أن الاستشراق فرض نفسه كظاهرة وليس كعلم داخل الفضاءات الجغرافية العربية الإسلامية، وأخذ صورًا متباينة إلا أنه لم يجتذب إليه قطاعات اجتماعية واسعة. 

فقد قدمت الدراسات الاستشراقية على مدى سنوات طويلة نتاجاً وافراً في الفكر الاستشراقي في مختلف اتجاهاته، وكان من بين تلك الدراسات الاستشراقية كتابات المستشرق البريطاني د. هاملتون جب وخاصة كتاب "الاتجاهات الحديثة في الإسلام".

وإن كان لـ"جب" بعض المؤلفات إلا أنها لا تعطي الانطباع لأفكاره مثل هذا الكتاب "الاتجاهات الحديثة في الإسلام" والذي يعد كتابًا فكريًا فالكتاب يعتمد على التحليل واستخلاص النتائج أكثر من الاعتماد على السرد التاريخي وهو في الأصل ست محاضرات ألقاها د. هاملتون في جامعة شيكاغو عام 1946م ضمن برنامج محاضرات عن الأديان المقارنة. 

وقد أشارت دراسة مفهوم تجديد الدين بأن الكتاب يحتوي على ستة فصول: الفصلان الأولان تمهيد للدراسة، وثلاثة فصول تشتمل على صلب الدراسة وفصل خاتمة، يتحدث في الفصل الأول عن منابع الفكر الإسلامي القرآن والسنة والإجماع.

وفي الفصل الثاني يتحدث عن الاتجاهات والحركات الفكرية في الإسلام بين القرن الثاني عشر والتاسع عشر الميلادي "الخامس والثاني عشر الهجري"، ثم تأتي الفصول الثلاثة التالية دراسة متكاملة عن العصرانية في الإسلام، ويحلل في الفصل الأخير مستقبل الإسلام في العالم وبخاصة مستقبل التجديد. 

وربما كان د. هاملتون من بين مفكري الاستشراق الذي وجد الجرأة للإفصاح عن آرائه في هذا الكتاب الذي هو من أكثر الكتب إثارة للمشاعر، فبعد أن يرصد التطورات الأخيرة في المسيحية من القرن التاسع عشر والعوامل التي أدت إلى ظهور الحركة التجديدية في الغرب يقول: "يجب علينا أن ننتظر تطورات في حركة التفكير الإسلامي بشكل موازٍ للتفكير الغربي في القرن التاسع عشر، إذ إن الأوضاع التقليدية في الإسلام بوجه عام مشابهة لأوضاع الدين المسيحي في القرن الثامن عشر في أوروبا، وأن انتشار العلمانية في المئة سنة الأخيرة عرضت بعض النخب في العالم الإسلامي لنفس التأثيرات التي دفعت إلى ظهور الفكر الديني الغربي الحديث، وإذا كانت نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج فيجب علينا أن نتوقع حدوث تطور مماثل في الفكر الديني الإسلامي".. فهل تحقق توقعه؟، 

في محاولته للإجابة على هذا السؤال، يقدم عرضًا مقتضباً لتطور حركة التجديد في الهند، قائلاً: إن أهم  النتائج التي توصلت عمومًا إليها، أنه يجب ألا نبالغ في انتشار هذه الحركة وأهميتها فهي حركة ضعيفة ولا تقارب قوة الإسلام وتأثيره، وأنها بشكل أساسي تنحصر في بعض المثقفين ثقافة غربية فهي بصفة عامة تأثيرات فردية وردود فعل شخصية.

من هنا يكون قد تبين وجه الخطأ والقصور في منهج د. هاملتون وكأنه يرغب بلوغ نتيجة مرسومة سلفاً هذا الظن المتهافت قامت عليها تحليلاته واستنتاجاته عن الإسلام، ولم يتوقف عند هذا الحد في تحليلاته فهو يطالب باستخدام الفكر الحديث في تفسير المصادر الإسلامية بعيداً عن آراء الفقهاء والعلماء.

وإن كان "جب" يرى طريقًا آخر يمكن أن يتم التوفيق بواسطته بين الإسلام والفكر المعاصر، ويقول إنه طريق بمتناول المفكرين المسلمين لو أنهم تنبهوا لأهميته وشاؤوا استعماله، هذا الطريق هو منهج البحث التاريخي وطرائقه، فهذا المنهج كما ينصح "جب" وحده هو الكفيل بإيجاد النقد العلمي المقبول وإعادة مرونة التفكير الإسلامي.

وبعد هذه النصيحة يختم "جب" كتابه بالتساؤل والتفاؤل: "هل يمكننا أن نتبين قرينة ما تدل على التفكير الإسلامي في هذا المنحى؟" 

من دون أن يكون قادرًا على تصور الفرق بين التفكير الإسلامي والتفكير المسيحي الأوروبي.

ومع وضوح خطأ منهج د. هاملتون في التفكير إلا أن تطبيق المنهجية الغربية التاريخية على الإسلام أو العرب يرتبط في الغالب بموقف فكري أنتجه تاريخ طويل من سنوات الاستعمار العسكري والفكري التاريخي وفي هذا تجنٍ على المعرفة. فالمفكرون الغربيون حين يتناولون هذه الظواهر وكأنها ظاهرة طارئة عليهم أو أنها خارج ثقافتهم فطريقة رؤية الغرب للإسلام أو الحضارة الإسلامية أو العرب تحددها معايير المصالح والمطامع والمنطق النفعي المادي وليس الحق والعدل.