أثار معالي المستشار رئيس الهيئة العامة للترفيه، تركي آل الشيخ، جدلاً واسعاً بعد نشره مقطعاً لفيديو ممنتج لمجموعة أغانٍ عربية تعود لمتوسط القرن الماضي، استنسخت حرفياً من ألحان غربية، كان من بينها أغانٍ للموسيقار محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وأسمهان وعبدالحليم حافظ والطفلة المعجزة حينها فيروز. حيث كانت تلك الفترة زهو وعظمة الأعمال الشرقية ومنافستها. وشكلت الأغنية في تلك الفترة حالة نضج وتقاطع للأفكار، ساهم روادها في توسع ذاكرت الأغنية من خلال الاستعانة ببعض الأفكار الغربية، كان في مقدمتهم موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب المتفرد الأكثر في تعريب بعض الأعمال وتدوينها تحت مسمى الأعمال الشرقية والاستفادة أيضاً في جلب بعض الآلات الغربية كـ الجيثار والأورج ودمجهما مع "التخت الشرقي"، وكان ضليعاً في جذب الأفكار وتوسيع وتحريك الذائقة المتجمدة تحت سقف الغناء الشعبي الذي تسيدته الفلكلوريات وما خلفه سيد درويش.

كان المصريون آنذاك سباقون في تقديم الأغاني بصيغ مختلفة، قدموا تحفاً فنية عظيمة، إلى جانب بعض الأغاني المعربة والتي كانت توضع بين تفاصيل الأفلام السينمائية، كلمة مصرية يتم تركيبها على الألحان المستعارة، مثل أغنية "ياحبيبي تعال" للراحلة أسمهان في فيلم "زوجة بالنيابة" - 1941- عندما استنسخت من أغنية "اليتيم" -1930- للفنان أنطونيو ماكن، الذي قدم فاصلاً "أنثروبولوجي" عن صميم تفاصيل الحياة الاجتماعية هناك. لكنه في النسخة المصرية، كتب كلماتها أحمد جلال ودونت تحت اسم ملحن مجهول بين العباقرة يدعى "مدحت عاصم". هذه الدلالات الواضحة على شدّة تفرد الملحنين المصريين واطلاعهم على ثقافة الخارج وولعهم بالموسيقى وتطويرها، واستنساخ الموسيقات العالمية، كما حدث مع عبدالوهاب عندما استنسخ بعض الكوبليهات من سينفونيات بيتهوفن وموزارت وأغانٍ أخرى، حيث تجد أغنية "يا مسافر وحدك" -1951- كربونية "آسف جداً" للفنانة اليونانية صوفيا فيمو والتي أنتجت قبل عقدين من إنتاج "موسيقار الأجيال"، كذلك "ياقلبي ياخالي" -1957- في فيلم "بنات اليوم" وقدمها عبدالحليم حافظ، مستنسخاً عبدالوهاب هذا العمل من أغنية "اضرب" لري تشارلز.

معالي المستشار، يعيدنا إلى تلك الحُقب.! حيث كان إنتاج المصريين عالياً جداً، يعيشون الصراع في رتم مرتفع بإعلاء سُلَّمَ الثقافة الفنية، وهي التي أسهمت في تلك العقود الأولية بإبراز عبقرية فريد الأطرش، وعزفه المدهش وألحانه لمعظم مطربي ومطربات تلك الحقبة، أن "يستشرق" مقطوعة لعزف منفرد ويحولها إلى مقامات شرقية بأسلوب متفرد. وعلى حسب ذاكرة الأرشيف العربي، أن فريد أعلن أن مقدمة أغنية "حكاية غرامي" مقتبسة لإثبات أن الآلة الشرقية تستطيع عزف الموسيقى الغربية".

حقيقة لقد كثُرت الأغاني العربية المستنسخة من التراث الغربي وأوائل الفنانين محلياً، مؤسف أننا في الخليج عاشنا حالة تردد في توثيق مصادر الأغانِي، لكن مع هذه "الصدمة" التي أطلقها معاليه، سنستعيد خارطة الطريق التي تضع الموسيقيين تحت بقعة ضوء، يرتفع معها طموح المتذوق في سماع الأفكار الخلاقة، لا موسيقى مستعارة.