التحول الحكومي الرسمي الأميركي المفاجئ من التشجيع المُفْرط إلى كبح جماح إنتاج الوقود الاحفوري في أميركا يُثير التساؤل حول الفكرة السائدة بأن أميركا دولة مؤسسات عريقة مُحكمة تحول دون ارتجال القرارات.  

لكن ما قالته وزيرة الطاقة الأميركية الجديدة في مؤتمر (CERAWeek 2021) المنعقد في هيوستن من 1 إلى 5 مارس (هذا الشهر) يُثير الدهشة. فرغم أنه لم يمض شهر واحد على تعيينها فلقد حذرت بلهجة آمرة (بل هددت) شركات البترول الأميركية العريقة بالاندثار إذا لم تبدأ هذه الشركات بالتحول السريع من البترول إلى الطاقة المتجددة وإلا سيجدون أنفسهم منبوذين في مؤخرة الركب في مجال الطاقة قي العالم (left behind).  

اللافت للأهمية أن هذا الاتجاه المباغت ضد شركات الوقود الأحفوري (البترول والغاز والفحم) يأتي من أمريكا التي تملك أكبر الاحتياطات المؤكدة للوقود الأحفوري في العالم بلا منازع. فأميركا تملك حوالي رُبع (23.7 %) احتياطي الفحم المؤكد في العالم. وكذلك تملك أميركا (إذا أضفنا البترول والغاز غير التقليدي) أكبر احتياطات الهيدروكربونات (البترول والغاز) في العالم.  

لو نجحت مؤقتا (لكن أنا أعتقد أنها لن تنجح على المدى الطويل) الإدارة الأميركية الجديدة في إقناع الشركات الأميركية بالتخلي عن ثرواتها الثمينة من احتياطياتها الضخمة من الوقود الأحفوري وتركها مدفونة تحت الأرض. فإن هذه الشركات لن تلبث طويلا حتى تعود لمزاولة أعمالها المعتادة عندما تكتشف الإدارة الأميركية الصعوبة العملية للتحول كُلياً إلى ما يُسمى مصادر الطاقة النظيفة.  

من الواضح أن الحماس العاطفي الأميركي المفاجئ للتحول من البترول إلى بدائل البترول سببه هو إثبات وتأكيد صدق نية وجدية الإدارة الأميركية الجديدة بالعودة إلى اتفاق باريس للمناخ.  

لكن في المدى الطويل أي خلال الثلاثين سنة المُقبلة (من 2021 إلى 2050) قد يستجد - على أرض الواقع - الكثير من التغيرات الهيكلية في اقتصادات العالم التي قد تؤدي إلى وضوح الصورة أمام صُناع القرار بأن تبعات التضحية بالوقود الأحفوري كارثية على الاقتصاد العالمي لا يُمكن الاستمرار فيها بنفس السرعة والحماس. وبالتالي سيضطر صناع القرار إلى مراجعة خططهم والعودة تدريجيا إلى التمديد لسيارة البنزين وتوليد الكهرباء من الفحم.  

هذه العودة إلى استخدام الوقود الأحفوري ستكون سلسة ومن غير معوقات لأن الوقود الأحفوري الذي لم يتم إنتاجه لن يختفي من الوجود. بل سيبقى مخزوناً سليماً في مكامنه الطبيعية التي خلقه الله فيها منذ ملايين السنين.

ماذا بعد العام 2044؟ المستقبل بيد الله لكن نحن نتوقع أن تنتهي الحملة العالمية ضد الوقود الأحفوري وسيعود العصر الذهبي للبترول بثوب جديد. حيث سيؤدي التقدم العلمي والتكنولوجي إلى فهم - وبالتالي تعامل - جديد للمناخ. كذلك سيتوصل الإنسان إلى رفع نسبة الاستخلاص النهائي لمورد البترول وبالتالي زيادة احتياطي البترول في العالم وترشيد استهلاكه.