لنتعلم أن نكون واقعيين في حياتنا العملية ومثاليين في قيمنا وهنا يكون تماثل الواقعي بالمثالي، فكلاهما عامل جوهري في حياتنا، فالمثالية تمثل منظومة قيمنا، والواقعية جزء لا ينفصل عن حياتنا، ولذلك فالمثالية تكتسب قوتها من خلال الواقع وإن كان كل منا لديه أفكاره الحقيقية عن الكيفية التي تجري عليها حياته والطريقة التي يعيش بها الحياة بدل أن يكون في اللاوعي منشغلًا بحياة الآخرين..

تتسع المتابعة الثقافية عالميًا لأفكار د. جاي فينلي فمؤلفاته صارت تترجم وتنشر بطبعات مختلفة على مستوى العالم وتثير جدلًا علميًا وفكريًا.

فهذا المفكر الاجتماعي يقدم منظورًا جديدًا للذات من وجهة نظر سلوكية ومن واقع الرؤية الغربية البراغماتية.

تقلبَ زمنًا طويلًا قي قراءاته وتأملاته الفلسفية في الشرق والغرب وكان جزء منها مستمد من فلاسفة الهند والصين والجزء الآخر من علم النفس الاجتماعي ونظريات علم الاجتماع التجريبي والمنظومات الفلسفية التقليدية.

وان كانت الفكرة الرئيسة لأفكاره تدور حول العلاقة ما بين الحياة المادية والتي تتولى صناعتها اليوم التكنولوجيا والكشوفات الحديثة والتي تفضي إلى رفاه اجتماعي والقيم والأخلاق الاجتماعية.

إلا أن الثابت منهجيًا أن جاي فينلي ومعه فلاسفة تطوير الذات لا ينطلقون في الغالب من معطيات تجريبية مصدرها البحث الاجتماعي وإنما من تراكمات فلسفية استقوها من فلاسفة تقليديين أمثال شنكارا ولودزه، وبنوا عليها نظرياتهم السلوكية إذ لم يكونوا في الواقع إلا تلاميذ مخلصين لأفكارهم وإن كانت معظمها مؤسسة على الاستقراء والتأمل وليس على البحث العلمي.

إذ كل ما قاموا به أنهم اتخذوا منطقًا سلوكيًا جديدًا يخالف أسلوب المنطق القديم وتطبيقه على السلوك الإنساني باعتباره أكثر استقلالًا وتحررًا في بنيته السلوكية والذي يتركب من مزج فكري للفلسفة القديمة والحديثة وعلم النفس الاجتماعي وعولمته. 

ولذلك تعد دراسة نظريات تطوير الذات حقلًا خصبًا في الدراسات الاجتماعية إذ تواجه نقصاً كبيراً في حقل الدراسات وبالذات بعد أن برهنت عن نفسها عالميًا كمتنفس سلوكي وبدأت تستقطب المجتمعات العربية وذلك بعد حركة النشر والتسويق الثقافي لها من قبل معتنقي أفكارها وأصبحت فكر من لا فكر له وكل ما تقوم به أنها تخلق فضاءات نفسية كمتنفسات للسلوك الاجتماعي بلغة عصرية متكيفة لإحلالها بديلاً لمنظومة التقاليد والأعراف الاجتماعية التقليدية قابلة للتطبيق مع مختلف البيئات والمجتمعات الإنسانية. 

وإن كانت في صيغتها السلوكية تجمع ما بين الواقعية والمثالية في السلوك الاجتماعي فتتمثل في المثالي الذي يسعى الى التكامل المجرد في كل شؤونه والواقعي الذي يلتمس الواقعية في تفاصيل حياته.

 وإن كان ابن خلدون يعتقد أن العامي الواقعي البسيط ينجح في الحياة أكثر من المثالي المنظم وذلك لأنه يكيف نفسه مع الواقع كما هو من غير أن يلجأ للتفكير المثالي، فالمثالية باعتقاد ابن خلدون لا تأخذ صورة واقعية للحياة وان كانت المثالية والواقعية تختلف من شخص إلى آخر.

لنتعلم أن نكون واقعيين في حياتنا العملية ومثاليين في قيمنا وهنا يكون تماثل الواقعي بالمثالي، فكلاهما عامل جوهري في حياتنا فالمثالية تمثل منظومة قيمنا، والواقعية جزء لا ينفصل عن حياتنا، ولذلك فالمثالية تكتسب قوتها من خلال الواقع وإن كان كل منا لديه أفكاره الحقيقية عن الكيفية التي تجري عليها حياته والطريقة التي يعيش بها الحياة بدل أن يكون في اللاوعي منشغلًا بحياة الآخرين.