إنّ سعي الرئيس الأميريكي جو بايدن إلى انتهاج أسلوب الدبلوماسية فقط في التفاوض مع إيران في برنامجها النووي غير مرحب به من قبل دول منطقة الشرق الأوسط، والكثير من نواب الكونغرس، ولا سيما المخضرمين، إذ لمسوا في منهجه إخلالاً واضحاً لا مبرر له بالإنجازات التي حققها الرئيس السابق دونالد ترمب فيما يتعلق بتقييد أيدي النظام الإيراني، ومنعه من الاستمرار في تهديد أمن المنطقة والعبث باستقرارها.

كما أن دول المنطقة والعالم على قدر كبير من الوعي بمدى حساسية منطقة الخليج العربي، كونها ثقلاً سياسياً بالغاً وقيمة اقتصادية كبرى على المستوى الدولي، فتطبيق أي سياسة فيها يجب أن تتصف بالدقة والتوازن وحسن تقدير الأمور، وإلا فإنها ستكون مهددة بعواقب وخيمة يخشى الجميع تبعاتها، وأيضاً العالم على وعي كافٍ بأن المملكة هي صمام الأمان للمنطقة، نظراً لأهميتها العربية والإسلامية، ومكانتها الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية الدولية، مكنها ذلك من أن تلعب دوراً محورياً في حفظ استقرار المنطقة، وحماية العالم من الإرهاب الدولي، وهو ما جعلها أحد أهم وأقوى حلفاء الولايات المتحدة.

ومن الواضح ومن خلال الأحداث الراهنة أن إدارة الرئيس بايدن تتمتع برؤية قد تكون ضبابية خلال تعاملها مع ملفات منطقة الشرق الأوسط، وذلك قد يعود إلى أنها سقطت في شرك نتائج داخلية متناقضة وأفكار متضاربة ولدتها الانتخابات الرئاسية، والتي تختلف نتائجها عن أسبابها، فسعت إلى معارضة جميع القرارات التي اتخذتها الإدارة الأميركية السابقة دون إدراك كافٍ بعواقب قراراتها، غير أن هذه السقطة السياسية لم يقع فيها عقلاء الكونغرس الذين يجيدون فهم طبيعة النظام الإيراني دون الوقوع في أي إشكاليات متناقضة، وهو ما أدى دائماً لاتباعهم سياسة متوازنة وعادلة.

وربما قد يرى البعض أن طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع ملفات المنطقة قد يكون أمراً داخلياً أو صراع أروقة سيادية، لكن من المؤكد أن المملكة لا تعوّل كثيراً على الإدارات الأميركية المتعاقبة في تعاملها مع أمنها القومي وأمن المنطقة، فالمملكة من خلال وزنها وثقلها قادرة على عقد تحالفات إستراتيجية واسعة ومختلفة مع العديد من القوى العظمى، والتي تنتظر ذلك وترحب بها، وسواء اتسقت مواقف الإدارة الأميركية أم تناقضت، فإن المملكة لها موقف واضح ومحدد وثابت وحاسم تجاه الإرهاب الإيراني وذيوله في المنطقة، لا يتأثر بالتبدلات والتناقضات السياسية للإدارة الأميركية، والتي يتعين عليها التفكير جدياً في العواقب المحتملة من اتباعها سياسة توازن الأضداد، ولعل أهم نتائجها خسارة حليف إستراتيجي لها في المنطقة والعالم، طالما مكنها التعاون معه من تثبيت دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة على مرّ السنين، وأسهم في القضاء على مخابئ الإرهاب وذيوله القابعة خلف أسوار طهران.