بإمكان أي إنسان أن يبدأ من الصفر وينجح ويكوّن مؤسسات ومنظومات تجارية وشركات فبعض الشركات الأميركية الكبرى بدأت من أحد المطابخ أو أحد المباسط أو الباعة المتجولين أو كرافانات المبيعات أو المنازل أو الكراجات كشركة كمبيوتر أبل..

قبل سنوات بعيدة، وقف جيه كريشنامورتي -وهو بالمناسبة فيلسوف ومفكر عالمي قامت أفكاره على السياقات الفلسفية- في حشد من الطلاب متحدثًا ومتسائلًا: 

لماذا تودون أن تكونوا طلاب كتب ولا تودون أن تكونوا طلاب حياة.. 

كان جيه ينطلق من فكر فلسفي مشبع بالتأملات الروحانية والتي كانت محور كتابه [الحياة].

وإن كنت أختلف مع جيه في فكرته إلا أني سوف أعرض الفكرة من منظور عصامي فعلى مدى سنوات طويلة أدركت أن معظم العصاميين على مستوى العالم طلاب حياة غادروا مقاعد الدراسة في وقت مبكر ليس لعجزهم عن مواصلة الدراسة وإنما لاكتشافهم بأن لديهم قدرات وإمكانات استثنائية خارج نطاق التعليم يتملكهم تيار متدفق من الأفكار التي تصنع الأهداف والفرص ويتصفون بالعقلية المتكيفة المنتجة للأفكار ويقرؤون الحياة على نحو مختلف.

ولذلك فليس ضروريًا أن يكون العصامي حاد الذكاء فنقطة تفوقه تكمن في مرونته وإدراكه لتقنيات التفوق ومقدرته على تغيير أي وضعية من حالة الإخفاق إلى حالة النجاح وتكريس وقته  للإنتاج ولكن ليس من أجل أن يكون شيئًا وإنما من أجل أن يصنع شيئًا. 

فأحد أسرار النجاح يتوقف على الطريقة التي نفكر بها والأهداف التي نصنعها ومقدرتنا على توقع نتائج أفكارنا بمنتهى الدقة.

فإذا لم يكن لدينا فكرة لما يمكن أن نكون عليه لا يمكن أن يكون لدينا مشروع نجاح.

فالارتباط المصيري بين العصامية والتجربة يتمثل في مدى انفصالنا عن مساراتنا التقليدية إلى مسارات آخرى ذات فاعلية.

في ستينات القرن الماضي عندما بدأ الباحث الاجتماعي بريان تراسي في دراسة العصاميين في الولايات المتحدة كان هنالك سبع مئة ألف مليونير بدؤوا من نقطة الصفر وبحلول الثمانينات -طبقًا لمركز IRS- وصلوا إلى مليون وثمان مئة ألف وخلال 22 عاماً كان في أميركا خمسة ملايين مليونير عصامي.

كما أمضى د. توماس ستانلي من جامعة جورجيا بالولايات المتحدة الأميركية أكثر من ثلاثين عامًا يدرس الأثرياء العصاميين فقد عقد لقاءات مع مجموعة كبيرة من العصاميين الناجحين وقد نشر نتائج دراساته في مجموعات متنوعة من الكتب والدراسات البحثية والتقارير بما في ذلك الكتابان اللذان حققا أفضل المبيعات وهما: The Millionaire Mind وThe Millionaire Next door وقد توصل إلى أنه بإمكان أي إنسان أن يبدأ من الصفر وينجح ويكوّن مؤسسات ومنظومات تجارية وشركات فبعض الشركات الأميركية الكبرى بدأت من أحد المطابخ أو أحد المباسط أو الباعة المتجولين أو كرافانات المبيعات أو المنازل أو الكراجات كشركة كمبيوتر أبل.

في اللقاءات التي أجراها د. توماس ستانلي مع أصحاب الملايين العصاميين اكتشف أن هنالك قاسمًا مشتركًا للنجاح إذ يرى أن من أهم الصفات التي يتصف بها العصامي إدارته لحياته على نحو مختلف عن الشخص العادي وتميزه بالفاعلية على الدوام ووضوح وجهته وهدفه يبدأ في وقت مبكر ويعمل بجهد أكبر ويبقى لوقت أطول ولا يشغل وقته في التفاعلات الاجتماعية والمكالمات الهاتفية الشخصية وتصفح الإنترنت أو الشؤون الخاصة فطبقًا لبعض الدراسات يقضي العصاميون ما بين 70 إلى 80 ساعة أسبوعيًا في العمل.

وإن كان من أهم أسباب النجاح الهجرة أو الانتقال من البيئات الساكنة إلى البيئات المتحركة فهجرة الروس فيما كان يعرف سابقًا بالاتحاد السوفييتي إلى الولايات المتحدة الأميركية حققت نجاحًا  في الولايات المتحدة الأميركية وتفوقًا ملحوظًا على غيرهم من المهاجرين الآخرين.

وهجرة الصينيين إلى سنغافورة وماليزيا وكندا وهجرة الحضارم وهجرة اللبنانيين.

ولعل سبب نجاح أولئك انتقالهم من بيئات يواجهون فيها صعوبة بالغة في النجاح إلى أمكنة تتمتع بمقومات النجاح.

فعندما ننظر مثلاً إلى قصة نجاح دبليو كليمنت ستون مؤلف كتاب Success Through A Positive Mental Attitude نتصور أنه يتمتع بحظ لا يوصف؛ ولكنه ليس كما يبدو لنا فأحيانًا تكون إمكانات وقدرات الإنسان أكثر مما يتراءى للآخرين، فالناجح عادة ما يكون غير منطقي وواقعي -بمقاييس الآخرين- في تصوراته وتطلعاته ولكنه بمقاييسه الخاصة ذكي ودقيق في تحليله.

وعندما ننظر في تجربة كليمنت ستون والذي انطلق من بداية متواضعة إلى أن أصبحت قصته ملهمة لأكثر الأميركيين نجد أن النجاح بالمقاييس الأميركية يتمثل في كليمنت: المال والمركز الاجتماعي والشهرة.. ولكن لم يكن الأمر في بداياته على هذه الحال فقد مرت عليه أيام أكثر تعبًا عندما كان شابًا يافعًا يسكن كوخًا خشبيًا ويقتات على بيع الصحف في شوارع شيكاغو.. ولكن كل هذا الآن صار ماضيًا بالنسبة لكليمنت فقد (صنعها) حسب التعبير الأميركي السائد وهذا بالضبط هو ما كان يريد كليمنت.

هذه العقلية المتكيفة مع خطوات النجاح يراها الأميركيون وربما الغرب عمومًا نتاج العصامية.

ففي كل النقاشات التي تحدث مع العصاميين المنفتحين على الإنجاز والذين حققوا نجاحًا في حياتهم يلخصون حركة كفاحهم في استكشاف المجهول وصناعة اللحظة.

يقول د. واين داير: إذا كنت تؤمن بنفسك تمامًا فلن تجد أمامك شيئًا مستحيلًا فالسلسلة الكاملة لتجارب وخبرات البشر بين يديك.