نشرت بعض الصحف يوم السبت الماضي بتاريخ 9 سبتمبر 2006م خبراً حول نية وزارة الداخلية أن تطلق رسميا خلال الأيام القادمة خدمة هاتفية لاستقبال بلاغات المواطنين والمقيمين حول إساءة المعاملة التي يتعرضون لها من بعض رجال الأمن. ويضيف الخبر بأن هذه الخدمة بدأت بشكل تجريبي واستقبل خلالها بلاغات وشكاوى ومقترحات من مواطنين ومقيمين. وأشار المتحدث الرسمي لوزارة الداخلية اللواء منصور التركي إلى أن خدمة «991» ستكون حلقة الوصل بين وزارة الداخلية ممثلة في الجهات الأمنية من جانب، وبين المواطنين والمقيمين من جانب آخر لاستقبال البلاغات عن كافة أنواع المخالفات بسرية تامة.

ولا بد هنا من شكر وزارة الداخلية على تجاوبها مع رغبة الكثيرين ممن يقع عليهم ضرر من رجال الأمن ولا يجدون وسيلة سريعة وآمنة للإبلاغ عن ذلك. وقد سبق أن عرض في هذه الزاوية بتاريخ 20 أغسطس 2006م أمثلة لتجاوزات رجال الأمن سواء تلك التي تتعلق بعدم احترام النظام أم تلك التي يتضرر منها الناس مباشرة؛ وكان هناك اقتراح حول إيجاد رقم يسهل الاتصال به والإبلاغ عن مثل تلك الحالات. ولا شك أن تجاوب وزارة الداخلية السريع يعكس اهتمامها بما يمر به الناس، وحرصها على تحقيق العدل وتطبيق النظام على الجميع.

ولكي تنجح هذه الخدمة فإنها بحاجة إلى ضوابط وأسس واضحة ومعلنة للجميع يعرفها المواطنون والمقيمون وكذلك رجال الأمن أنفسهم. ولكي لا تصبح الشكاوي مجرد ادّعاءات تخلو من الأدلة وبخاصة حينما ينكر المدّعى عليه التهمة اطلاقاً، فإن هناك حاجة إلى الشهود أو إلى التسجيل الصوتي أو المرئي عن طريق الجوال للحادثة. ومن خلال تعليقات القراء على موضوع «من ينقذنا من هؤلاء؟» وردود الأفعال التي وصلتني، يمكن استعراض طبيعة المشكلات التي تحصل مع رجال الأمن. وهي مشكلات يمكن وضعها في صنفين حسب ظروف حدوثها: الصنف الأول يحصل أثناء الاحتكاك بين رجال الأمن والناس سواء في الطرقات أو عند نقاط التفتيش أو في الدوائر الحكومية. والصنف الآخر يحصل بتواطؤ رجل الأمن مع صديق أو قريب له فيقوم باستغلال منصبه في مضايقة بعض الناس والضغط عليهم وتهديدهم باسم النظام للموافقة على أمر معين يخدم مصلحة صديقه وفيه ضرر على الضحية.

والصنف الأول في الغالب يمكن الاستفادة فيه من شهود العيان، ومن صور الكاميرات الرقمية الموجودة في الشوارع وفي بوابات الدوائر الرسمية مع إمكانية التوسع في نشر الكاميرات الحرارية الذكية في المدن الكبرى لأنها تسهم مساهمة فعالة في التعرف على الجرائم وتتبع الأخطاء، وتساعد المحققين على حل كثير من الغموض الذي يحيط ببعض الحوادث. ولا بد من توعية المواطنين والمقيمين على ضرورة الحصول على أدلة ماديّة تثبت دعواهم، وهذا ما يجعلهم يحرصون على إحضار الشهود أو الأدلة التي تدين من يعتدي عليهم.

أما الصنف الآخر من تجاوزات رجال الأمن، فإن هناك صعوبة في الحصول على براهين تثبت تجاوزهم؛ ذلك أن المحققين قد لا يصرحون بمعلوماتهم وأرقام الاتصال بهم من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المحقق أو رجل الأمن قد لا يعرض الأوراق الرسمية التي استند عليها في فتح التحقيق والمساءلة. وأعتقد أن وزارة الداخلية بالتعاون مع هيئة حقوق الإنسان يمكن أن تصل إلى استراتيجية عادلة يمكن اتباعها عند فتح تحقيق مع أي شخص، وليس أقلها من إعطاء المتهم أو الشخص المحقق معه صورة من خطاب الاستجواب. وبهذا النهج يمكن تحقيق فائدتين؛ الأولى حقوقية، تتعلق بضمان حق الإنسان في تعريفه بملابسات القضية وأسباب الاستجواب مع إعطائه الحق في توكيل محام ينوب عنه. والفائدة الأخرى هي حماية الناس من استغلال البعض لسلطة رجال الأمن لأغراض شخصية. وبهذا فإن وجود هذا النظام سوف يشعر الناس بالأمن والعدل، لأن أي فرد يملك الحق في عدم التجاوب مع أحد إلا بصفة رسمية تثبت ذلك.

جدير بالذكر أن الصنف الثاني من التجاوزات لا يمثل ظاهرة متفشية ولكنه موجود رغم قلته؛ والقانون بحاجة إلى مراعاة مختلف الحالات الواقعية التي حصلت بالفعل أو التي يمكن أن تحصل ويضع لها الحلول المناسبة.

أما ضبط البلاغات فإنه أيسر، لأن رقم المتصل من الهاتف الثابت أو الجوال ومعلوماته بما فيها عنوان منزله وعمله مسجلة آلياً، مع مطالبة المتصل بإعطاء معلوماته كاملة قبل تلقّي البلاغ. وأتمنى أن خدمة «991» لديها التقنية التي تستطيع تعيين موقع المتصل لحظة اتصاله من الجوال عن طريق الأقمار الصناعية التي تحدد موقعه وفق دوائر الطول والعرض. وتستطيع الإمساك بإشارة الإرسال حتى بعد قطع الاتصال لكي يسهل الوصول على المتصل في أسرع وقت ممكن إذا كانت الحالة تتطلب ذلك. وحينما يعرف الناس أن أي اتّصال على هذه الخدمة سوف يؤخذ بجديّة عالية وسيفتح لأجله تحقيق رسمي سيتفادون أي بلاغ غير دقيق لأن هناك عواقب ضد مخالفات قانونية مثل «تضليل السلطات» و«إشغالها عن مهمات طارئة»، و«الإدلاء بمعلومات كاذبة». ويمكن الإعلان عن درجات العقوبات والغرامات على كل مخالفة. ومن الطبيعي أن توجد بعض الأخطاء ولكنها تقل مع ازدياد الوعي والتدريب والخبرة.

hujailan@alriyadh.com