شواهد كثيرة تؤكد أن منصات (وسائط) التواصل الاجتماعي ما زالت تواصل دورها كإحدى أهم الأدوات التي يستخدمها المتطرفون والإرهابيون لنشر أفكارهم وشعاراتهم. وقد رصدت الدراسات فيما مضى كيف تم تفعيل هذه الشبكات لتجنيد الشباب وإغوائهم للسفر إلى مسارح الحروب والفتن. وحتى اليوم لازالت تنشط منظمات ورموز متطرقة وإرهابيّة عبر هذه الوسائط في التحريض على الدول والمجتمعات من خلال ابتكار وسائل ورسائل جديدة لترويج فكرها واستقطاب المؤيدين. ويبدو التركيز المخاتل الآن على العقول والقلوب الحاضنة لبذور التطرف تمهيدا لسقياه بالدعايات المضللة والشائعات الكاذبة في التوقيت المناسب.

والملاحظ على الدعاية المتطرفة الآن اتساع دائرتها باسم الفكر وحريّة التعبير واستخدام رموز جديدة مهمتها البارزة الآن تتضمن تشويه صور الرموز والمؤسسات الوطنيّة واستبدالها برموز ومؤسسات افتراضيّة تتيحن الفرص للهيمنة على الواقع. والإشكال الأكبر هنا أن ظهور هذه الأنماط على بعض هذه المنصات يثير الريبة حول كيفيّة نشاطها واستمرارها ومن يقف ورائها.

ومن المستقر في البحوث المتخصصة أن توجه المنظمات الخارجة عن القانون ومنها الجماعات الإرهابيّة نحو شبكات التواصل الاجتماعي علاوة على مجانيتها وسعة انتشارها هو قدرة هذه الشبكات على تقديم خدمة الاتصال والتواصل السريع (شبه الآمن) بين الأعضاء والموالين بطرق مختلفة. وسبب آخر يكمن في أن هذه الشبكات توفر خدمات إعلاميّة يمكن خداعها وتوظيفها بطرق شتى لإيصال رسائل الدعاية والتواصل مع المستهدفين.

ويمكن تحديد مراحل التجنيد الفكري للشباب عبر شبكات التواصل الاجتماعي في أربع خطوات هي: أولا: التركيز على الشخص (الشريحة المستهدفة) من خلال التعرض المعرفي (المكون العاطفي) المكثف عبر رسائل مركّزة تتسم بالقصر والتشويق والتتابع بما يكفل إحداث التشويش والارتباك الفكري ومن ثم الجاهزيّة لتقبل ما بعدها. في المرحلة الثانية يتم تفعيل تكتيك الصدمة الشرعيّة المكون الفكري (الانفعالي) بعد أن تتراكم المعلومات الجديدة في ذهن المستهدف وتربك قناعاته وفق مفاهيم نصرة الحق والتخويف من سوء الخاتمة ونحو ذلك. في المرحلة الثالثة يبدأ تعزيز تكوين الاتجاه لدفع المستهدف إلى العزلة وكثرة الأسئلة الناقدة ومن ثم التركيز على الصحبة الجديدة سواء الطبيعيّة أو عبر الوسائط الإلكترونيّة لتثبيت القناعات الجديدة وتعزيز الاتجاه المتطرف فكرا وسلوكا. في المرحلة الرابعة بعد أن يصل التأزيم النفسي والفكري مداه تركز حوارات وتعبئة التنظيم لأهدافه على أن "الطريق الوحيدة" للنجاة هي مشاركة طلائع الأمة وعدم "القعود" مع الجهلة والكفار والمنافقين من الأهل والعشيرة.

  • قال ومضى:

لولا صمت العقلاء لما تعالت أصوات الحمقى.