رحلة بعض الأدوية أعجب وأطول مما نتصور، تبدأ في مسار وتنتهي في آخر غير متوقع، ومنها هذا الدواء الذي بدأ من صناعة المواشي مروراً بالقوارض حتى استقر في دم الإنسان.

في أوائل عشرينات القرن الماضي تفشى في ماشية شمال أمريكا وكندا مرضٌ مجهول يسبب نزيفاً مميتاً، لاحقاً اكتشف عالم أمراض البيطرة الكندي "فرانك سكوفيلد" أن السبب هو ما تتناوله الماشية من علف "السيلاج"، وهو علف متعفن مصنّع من البرسيم الحلو، مما يؤدي إلى نقص "البروثرومبين".

ظلّت هوية المادة المضادة للتخثّر في البرسيم الحلو غير محددة حتى الأربعينات، حينما شرع الكيميائي "كارل بوك لينك" وزملاؤه في مختبرات جامعة "ويسكونسن" في عزل عامل النزف من القش الفاسد، استغرق الأمر خمس سنوات حتى استطاع طالبه "هاولد كامبل" جمع 6 ملغ من مضادات التخثّر البلورية! ولاحقاً 1.6 ملغ خلال أربعة أشهر. كانت كمية كافية ليثبت العالمين "ستاهمان" و"تشارلز إف" أن عامل التخثر هو ما أطلاقا عليه "ديكومارول"، وخّلقاه صناعياً في العام 1940م.

من المثير معرفة أن "الديكومارول" هو نتاج للمركب النباتي الكومارين، الموجود في العديد من النباتات، وهو المسؤول عن الرائحة الحلوة للبرسيم، التي بسببها اكتسب اسم شهرته رغم طعمه المر! وعلى مدى سنوات من الأبحاث عُثر على العديد من المركبات الكيميائية لها نفس الخصائص المضادة للتخثر، وكان أن سجلت براءة اكتشاف "الديكومارول" في العام 1941م.

واصل "لينك" أبحاثه لتطوير مضادات تخثّر أكثر فعالية لاستخدامها كسموم تُميت القوارض، ليظهر مركب "الوارفارين" في العام 1948م، والذي اشتق اسمه من الحروف الأولى لممولي أبحاثه: جمعية أبحاث خريجي ويسكونسُن، ليحقق انتشاراً كبيراً في المنازل الأميركية لمكافحة الفئران والجرذان.

المثير ما حدث لاحقاً، حينما حاول مجند في الجيش الأميركي في العام 1951م الانتحار، عبر تناول جرعات متعددة من سم "الوارفارين"، لكنه تعافى بسهولة بعد علاجه في مستشفى البحرية بواسطة الترياق، الذي لم يكن سوى: فيتامين "ك"، بعد ذلك توالت دراسات استخدامه كمضاد علاجي لتخثر الدم. وخلال أربع سنوات وافقت هيئة الغذاء والدواء الأميركية على استخدامه على البشر، ليكون الرئيس الأميركي "دوايت أيزنهاور" من أوائل مستخدميه، إذ وصف له بعد إصابته بنوبة قلبية.

والعجيب أن آلية عمل "الوارفارين" في جسم الإنسان ظلت مجهولة حتى 1978م حينما أثبت تأثيره على استقلاب فيتامين "ك"، مما يؤدي إلى زيادة سيولة الدم، وبالتالي يمنع تكون "الخثرات" الجلطات الدموية، أو يمنع تطورها، ويصرف لمن يعاني من عدم انتظام ضربات القلب أو بعد الإصابة بالنوبة القلبية أو بعد العمليات الجراحية وغيرها. ولكن نظرا لخطورة الخلط بين جرعات أقراصه، فإن لكل جرعة منه لوناً مختلفاً، إذ يوجد بالسعودية تسعة ألوان مختلفة لأقراصه.

وحتى يومنا الحاضر لا يزال "سم القوارض" منقذاً لحياة ملايين البشر، شاهداً على أن تطوّر العلم ما هو إلا عمل تراكمي مبني على التجربة والملاحظة.