سعى الحكم البهلوي في إيران إلى إحياء التقاليد الفارسية القديمة، في محاولة لبناء وفرض هوية قومية إيرانية، مع التركيز على تفوق العرق الفارسي على باقي الإثنيات المشكلة للدولة، ما ساهم ذلك في تفاقم الانقسام حول طبيعة الهوية الإيرانية، ترتّب عليه ردود أفعال عكسية من قبل قطاعات شعبية واسعة، أدى أخيراً إلى سقوطهم.

ومع قدوم حكم الملالي ذي الصبغة الراديكالية المذهبية، اتضح أن هذا النظام لم يؤدِ إلى تهدئة الانقسامات المتعلقة بالهوية الإيرانية، والمساواة في الحقوق بين الجماعات الإثنية، بل على العكس فاقم التصدعات القائمة على نطاق واسع.

لذلك يعيد التاريخ نفسه من خلال حراك اجتماعي وسياسي واسع يشهده الشعب الإيراني منذ سنوات، يحمل في طياته خلافاً متنامياً بين نظام الملالي، ذي الخطاب الأيديولوجي الثوري الراديكالي المتمسك بشدة بالشعارات المذهبية، والتمدد خارج الحدود الوطنية، وبين الأجيال الشابة التي عبّرت عن ذاتها بحرية في التظاهرات والاحتجاجات المتواصلة في إيران، والتي أسمعت صوتها بقوة، من خلال خطاب مغاير لقيم الملالي وتوجهاتهم، الأمر الذي أفضى إلى حدوث فجوة بينهما لا يمكن ردمها.

لقد وقع نظام الملالي في نفس خطأ نظام الحكم البهلوي بتبنيه مقاربة فوقية لإنشاء الهوية الإيرانية، والسعي لفرض الأفكار والتصورات عن طبيعة هذه الهوية على كامل المجتمع، الأمر الذي أحدث ردّ فعل مضاد من قبل المجتمع الإيراني، لا سيما جيل الشباب، تمثَّل في تبنّي هوية مغايرة عن الاثنين، هوية تركز على الأهداف والقضايا الوطنية، وعلى توسيع هامش الحرية، وتحقيق العدالة والمساواة، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، والارتقاء بمستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل، مع الرغبة في التفاعل مع العالم والثقافات المختلفة، وإقامة علاقات إيجابية وتعاونية مع العالم الخارجي والاندماج معه، وعدم تبنّي أهداف عابرة للحدود ذات طابع عدائي، مرتبطة ببناء النفوذ في الجوار الإقليمي من خلال دعمِ الميليشيات الإرهابية وزعزعة أمن المنطقة، هذا ما صدحت به أصوات المتظاهرين، وأكدته شعاراتهم المرفوعة لا لراديكالية الملالي، والتي ستؤدي من دون شك مع مرور الوقت إلى إنهاء حدة التوجهات الراديكالية لهذا النظام، وربّما إلى سقوط قريب.