من الواضح أن المدينة السعودية لم تعد استبعادية أبداً، وصارت منفتحة لكل فئات المجتمع، وربما أن المصادفة الاجتماعية بدأت تنمو وتتطور وتشكل ظواهر اجتماعية قد تكون في بدايتها، لكنها دون شك سوف تغير عمارة المدينة السعودية..

يقول دوستويفسكي في روايته "مذكرات من البيت الميت" على لسان بطل الرواية إن أكثر ما أدهشه في الحياة أنه لم يعد هناك شيء مدهش.. تخيلوا معي أن هذا الحديث كان قبل أكثر من 150 عاما عندما كتب الروائي الروسي روايته. ولأن دوستويفسكي عرف بتشريحه العميق للجانب غير المرئي وغير المشاهد في الإنسان وتحليله لنفسيته فقد لاحظ منذ ذلك الوقت غياب الدهشة لدى الإنسان نتيجة لاكتشافه كل شيء، الثورة الصناعية التي بدأت قبل سبعين عاما تقريبا من كتابة الرواية وسعت من رقعة المعرفة واكتشاف الأشياء لدى البشر وبالتالي لذة الغموض ومتعة المغامرة صارت تتراجع بشكل متسارع مع نهاية القرن التاسع عشر. منذ ذلك الوقت والدهشة في حالة تراجع والبحث عن الجديد أصبح أحد مستلزمات التفوق الحضاري المعاصر، المعرفة التي بناها الإنسان خلال القرن العشرين والتقنيات التي طورها رغم خوضه حربين عالميتين كادت معهما الحضارة الإنسانية أن تدمر إلا أن الرغبة في الدهشة كانت هي الدافع وراء الفضول المعرفي.

جعلني حديث دوستويفسكي أفكر في الدهشة التي ممكن أن تحققها المدينة السعودية، منذ فترة طويلة وأنا أنظر كيف أن مدننا تتميز بخاصية استبعادية على المستوى الاجتماعي ولا تتيح للمصادفة الاجتماعية فرصة أن تحدث وتصنع مفاجآت جديدة خارجة عن المألوف والمتوقع، كثير من الزملاء كان ينسب هذه الظاهرة الاجتماعية الاستبعادية للمدينة السعودية للتكوين الحضري غير السوي الذي نشأ متسارعا خلال عقود قليلة، فهل كان غياب الدهشة في المدينة هو نتيجة لتكوينها الحضري؟ وهل من الممكن تحقيق هذه الدهشة من خلال عمارة وعمران المدينة؟ نظرتي لهذه الظاهرة من زاوية مختلفة، وأرى أن العمارة والعمران يصنعان الدهشة المؤقتة؛ لذلك لم أكن في يوم من الأيام داعما لفكرة أن العمران يحدث التغيير الاجتماعي، وكنت أفكر في "الدهشة المتجددة" التي يمكن أن أربطها من الناحية المعمارية بالبصيرة أو رؤية الأشياء غير المنظورة. وهذه الفكرة جعلتني أتوقف عند قول دوستويفسكي في نفس الرواية وبطلها يصف أحد زملائه في السجن، "كان يرى تقريبا، حتى دون أن ينظر".

يوم الأربعاء الفائت دعاني مجموعة من المصممين السعوديين إلى مبادرة فكرية إبداعية باسم "الملتقى السعودي للعمارة والتصميم الداخلي"، الحضور كان أغلبه من المصممات السعوديات الشابات وبعض المصممين الشباب. من الواضح أن المدينة السعودية لم تعد استبعادية أبدا وصارت منفتحة لكل فئات المجتمع، وربما أن المصادفة الاجتماعية بدأت تنمو وتتطور وتشكل ظواهر اجتماعية قد تكون في بدايتها، لكنها دون شك سوف تغير عمارة المدينة السعودية. وما زلت أقول إن التغيير الاجتماعي يسبق التغيير المعماري وليس العكس. الحضور في ذلك الملتقى كانوا يطالبون "بطراز سعودي" بطابع يعبر عن الشخصية السعودية. الجميع كان يبحث عن (الدهشة المفقودة) التي يمكن أن تعكس هوية بلد كبير مثل السعودية لكن كان هناك غياب واضح لنقطة البداية.

أعادني حماس الشباب في ملتقى العمارة والتصميم الداخلي إلى مطالبات كنت أحلم بها قبل ربع قرن، وكنت أقول إننا بحاجة إلى "عمارة سعودية معاصرة" ولا أنكر أنني ما زلت أحلم بهذا كما أنني لا أنكر أن حلمي القديم لم يكن هناك ما يدعمه على المستوى الاجتماعي / الثقافي العام، لكن الظروف في الوقت الراهن مهيأة بشكل كبير. المعماري والمصمم السعودي (ذكر وأنثى) يبحث عن اللامتوقع ويريد أن يكسر المألوف والظروف في الوقت الراهن تتيح له كل الفرص لتحقيق هذا الحلم. ما لاحظته في عيون الشباب أن هناك غياب للمرشد والقدوة التي يمكن أن تمهد لهم الطريق وتعرف لهم البداية والحقيقة، إن هذا أمر مستغرب، فأين الجيل السابق من المعماريين والأكاديميين السعوديين خلال الأربعة أو الخمسة عقود الماضية؟ ولماذا لم يشكلوا مصدر إلهام لهذا الجيل المتوقد الباحث عن الدهشة؟، لعلي أعود إلى بداية المقال التي عرجت فيها على غياب قيمة الأشياء، وإلى تعري الصور المشاهدة وتكرارها التي لم يعد فيها ما يستدعي التوقف والاكتشاف.

البحث عن الدهشة المتجددة لا يمكن أن يحدث من خلال الأشياء التي سبق مشاهدتها، بل من خلال ما يمكن أن نبتكره من العدم، لذلك كانت رسالتي للحضور في الملتقى أن الدهشة التي يريدون أن يحققوها من خلال صناعة طراز سعودي لا يمكن أن يجدوها في الماضي، بل فيما يمكن أن يصنعوه في المستقبل رغم أنني أكدت لهم أنه حتى لو أرادوا أن يتخلصوا من الماضي فإن الماضي لن يتخلص منهم، لكن الإبداع يكمن في مدى ترك مسافة بين ما نريد أن نصنعه في المستقبل وبين جذورنا التي تتشبث بالماضي.