حينما صَمَتَ الشاعرُ (محمد الثبيتي)، خَسِرَتْ جغرافيا اللغة أكبرَ أقاليمها.. في ذكراه مبدعًا جميلًا وصديقًا أجمل!

الريحُ تنأى.. عزاءً أَيُّـها القَصَبُ!

لن نسمعَ النَّايَ بعد اليومِ ينتحبُ

لن نسمعَ الخمرَ تُرغي وَسْطَ حنجرةٍ

فيها يُحَدِّثُ عن أسرارِهِ، العِنَبُ

وشاعرٌ هَرْوَلَتْ في مَرْجِ خاطرِهِ

قصيدةٌ/ مهرةٌ يعدو بها الـخَبَبُ

مسافرٌ في مجازٍ لا سماءَ لهُ

إلا السماءُ التي في الرأسِ تنتصبُ

أقدارُهُ كلَّما زَلَّتْ سلالـمُها

في الأُفْقِ، تسندُها الغَيْمَاتُ والسُّحُبُ

يُزَيِّنُ الأرضَ من أصفَى معادنِها

فليسَ ثَمَّةَ إلا الفكرةُ الذَّهَبُ

ما خطَّ بيتينِ كي يغفو بـظِلِّهِما

إلا وقافِيَتَاهُ: الـهمُّ والتَّعَبُ


كان الطريقُ غريبًا مثل سالكِهِ

ورغبةُ المشـيِ قد فاضَتْ بها الرُّكَبُ

وكنتَ أنتَ نُوَاسِيًّا، تغازلُهُ

كأسٌ فتجذبُهُ حينًا وتنجذبُ

كأسٌ إذا احْتَجَبَتْ عَمَّنْ يُعاقِرُها

لم تستطعْ عن (أبي النَّوَّاسِ) تحتجبُ

عكفتَ في حانةِ الأيامِ تُدْمِنُها

فَنًّا، ويُدْمِنُكَ الإعياءُ والنَّصَبُ

وكلَّما زهرةٌ في الروحِ أحرقَها

حزنٌ، ودَخَّنَ في أعصابِكَ الغَضَبُ

أَوَيْتَ للكأسِ مأوى العارفينَ بها

دربًا على ملكوتِ الفنِّ ينسـربُ


ونحنُ كُنَّا الندامى.. لستَ تجهلُنا..

قد شدَّنا بِكَ من أوجاعِنا، عَصَبُ

مِنْ فَرْطِ ما غاصَ فينا السُّكْرُ ليسَ لنا

غير ابنةِ الكَرْمِ لا أصلٌ ولا نَسَبُ

نحن اليتامى.. يتامَى كلِّ قافيةٍ

لها الحقيقةُ أُمٌّ والسؤالُ أَبُ!

كلُّ الأباريقِ ثكلى في مآتمِنا

تفورُ بالوجدِ حتَّى يجهشَ الـحَبَبُ

ونحنُ أضعفُ في أقدارِ لُعبتِنا

من الذين على أقدارِهِمْ لَعِبُوا

ننقادُ عَكْسَ أمانينا كـحافلةٍ

على الطريقِ الذي تـهواهُ تنقلبُ

لسنا سوى فُقَهَاءِ اللحنِ.. شِرْعَتُنا

ما شَرَّعَ النايُ أو ما سَنَّهُ القَصَبُ

المُغْلَقُونَ وكفُّ الشِّعرِ تفتحُنا

هَمْسًا، ونحن على رَفِّ الأَسَى عُلَبُ

تروي القصائدُ عنَّا أنَّ أجملَها

ما ليسَ تُكْتَبُ إلا حين تُرْتَكَبُ

رَحَّالَةٌ نحنُ في الرُّؤيا، أُولُو ظَمَأٍ

مَرُّوا على النَّهْرِ حيث السلسلُ العَذِبُ

مَرُّوا على النَّهْرِ، والسُّقْياَ تُرَاوِدُهُمْ

لكنَّهُمْ راوَدوا السُّقْيا وما شـربوا

كانوا على موعدٍ بالماءِ في نَـهَرِ الـ -

ـمعنى، فما أَضْرَبُوا عن موعدٍ ضَـرَبُوا


إيهٍ (أبا يوسفٍ).. والأمسُ مجمرةٌ

من الرمادِ أراها اليومَ تلتهبُ

ليتَ الأَسِنَّةَ في أجسادِنا نَشِبَتْ

ولا الأَحِبَّةَ في أرواحِنا نَشِبوا!

كم وَحَّدَ الليلُ شملًا من مباهجِنا

ومن نشيدِكَ سالَتْ حولنا شُّهُبُ

في سهرةٍ آذَنَتْ بالأُنْسِ، فانْتَصَبَتْ

على الجماجمِ -من ضَحْكَاتِنا- قُبَبُ

وطالما رَفَّ طيرٌ من تثاؤبِنا

وحامَ عبر المدى ينأى ويقتربُ

واسَّاقَطَتْ في الدُّجَى أهدابُنا سَهَرًا

وظَلَّ ينمو على أجفانِنا هدبُ

فافتحْ قنانـي المُنَى و(اسكبْ لنا وَطَنًا)

ملءَ الكؤوسِ، إذا الأوطانُ تنسكبُ!


إيهٍ (أبا يوسفٍ).. والأمسُ غَلَّقَهُ

كفُّ الغيابِ لكي لا يخرجَ العَتَبُ

تَرَبَّصَتْ بِكَ أفعى في مكامنِها

وقد تَعَتَّقَ فيها السُّمُّ والعَطَبُ

فلم تزلْ تحتمي منها بأغنيةٍ

نشوى، ويختلطُ الترياقُ والطَّرَبُ!

عُذْرَ القبيلةِ إنْ خانَتْ بـرائدِها

حتَّى بكى في القلوبِ الماءُ والعُشُبُ

ها أنتَ تعويذةٌ نحمي البيانَ بها

إذا استشاطَ عليهِ الخوفُ والرَّهَبُ!


إيهٍ (أبا يوسفٍ).. لا زَلَّ عن شفتي

اسمٌ على صفحاتِ الريحِ يَنْكَتِبُ

عَظْمُ البيانِ رميمٌ وَسْطَ هيكلِهِ

فلا القصائدُ تُحْيِيهِ، ولا الخُطَبُ

تَعَنَّبَتْ شَفَةُ الذكرى ونادمَني

حزني عليكَ ودارَتْ بيننا النُّخَبُ

واجتاحني الوجدُ حتَّى نشوتي، فإذا

زجاجتي في يدي تبكي وتضطربُ

بيني وبينكَ موسيقا مؤجَّلةٌ

بِـتْـنَا نداعبُ ضَـرْعَيْهَا ونحتلبُ

هنا تَنَفَّسْتَ في التاريخِ فانْحَفَرَتْ

في هيكلِ الوقتِ من أنفاسِكَ، النُّدَبُ

عُمْرٌ كـعُمْرِ الغضا دفئاً وعاطفةً

تكادُ كلُّ الثواني فيهِ تُحْتَطَبُ


لَكَ النبوءةُ سالَتْ من ذُرَى جَبَلٍ

عالٍ، على جنباتِ الروحِ ينتصبُ

يا طالما زَمَّلَتْكَ (الضَّادُ) مرتعشًا

في حضرة الوحيِ وانْفَضَّتْ لَكَ الحُجُبُ

سهرانَ تكمنُ للمعنى.. تُـخَاتِلُهُ..

تدنو إليهِ قليلاً.. ثمَّ تنسحبُ...

ترمي بـحُلْمٍ.. ولكنْ كلَّما انكشَفَتْ

لَكَ الحقيقةُ غَطَّاها دَمٌ كَذِبُ

ما خانَكَ الصيدُ في طيرٍ تطاردُهُ

حتَّى المشيئةِ، لكن خانَكَ الـهربُ

طيرٌ هناكَ وراء الأُفْقِ مُلْتَبِسٌ

بالمستحيلِ فما ينفكُّ يحتجبُ

واليومَ حيث تَـجَلَّتْ عن حقيقتِها

نارُ (الحدوثِ) وأمسى ينضجُ (السَّبَبُ)

اليومَ أَمْسَكْتَ بالمعنَى وطائرِهِ

وطاشَ بين يديكَ الريشُ والزَّغَبُ

كَـفَاكَ في الموتِ سِـرٌّ أنتَ كاشفُهُ

فاهنأْ بِـكَشْفِكَ واستمتعْ بما يَـهَبُ