«وقفة مع المواقف»

تأخذنا ذكرى وفاة الشاعر الكبير محمد الثبيتي إلى عوالم الشعراء المسكونة بالتفرد والأصالة، لغة معبأة بثقافة الصحراء والصور المجازية والمعاني الروحية، من هنا يمكننا أن نتساءل عن الروح السرية التي جرت وتغلغلت في لغة هذا الشاعر البدوي وأبهرت المتلقين، ونتساءل كذلك عن بقاء هذه الروح واللذة الشعرية سارية في شرايين الزمن حتى هذه اللحظة.

ومن اللحظة حتى الوقفة، ومن الحرف إلى الكلمة، ومن الكلمة حتى القصيدة رحلات بصرية متلاحقة، رحلات تصاعدية لا تقف، لنقف مذهولين بالمجازات، فمن معين الفكر الصوفي يجيء مرتدياً مواقفه، راسماً صورة الحرف، قائلا:

«ضمني،

ثم أوقفني في الرمال

ودعاني:

بميم وحاء وميم ودال

واستوى ساطعاً في يقيني»

بهذا الصوت الصوفي لـ (محمد الثبيتي) نستحضر صوت الشاعر (محمد النفري) في المواقف والمخاطبات، المتوفى 354هـ ، ويقول أيضاً:

مُزمَّلٌ فِي ثِيَابِ النُّورِ مُنْتَبِذٌ

تِلْقَاءَ مَكَّةَ أَتْلُو آيَةَ الرُّوحِ

جاعلاً من المكان المقدس اتجاهه وغايته بعد أن كان اتجاهه في نصوصه الشعرية الأولى اتجاه الصعلوك وغايته الموغلة في صحراء لا متناهية.

فالشاعر جاء من الطائف حيث قرى بني سعد إلى مكة المكرمة مقر عمله، ليقول نص (الرقية المكيّة):

«وَنَقَشْتُ اسْمِي في سواد ثيابِهَا

وغَسَلْتُ وجهي في بياضِ حيائِهَا

وكتبتُ شَعْرِي عندَ مسجدِ جِنِّهَا

وقرأتُ وِرْدِي قُرْبَ غارِ حِرَائهَا”

ولعل الظاهرة الشعرية التي تميّز بها بجانب مظاهر شعرية أخرى، ما يمكن أن نجده من خلال معجمه الشعري الذي تفرد به عن غيره من الشعراء السعوديين وكذلك الشعراء العرب المعاصرين، من مفردات لغوية تتصل بهوية الوطن، والبيئة الصحراوية، على سبيل التمثيل لا الحصر: (رمل، بيداء، سراب، قفر، مواسم، طير، نخل، كثبان، ريح، كواكب، ظمأ..) وما تمثله هذه المفردات من عمق دلالي جاءت مرتبطةً بالسياق الشعري.

كما يسافر الشاعر عبر البيداء، وهو سفر عبر الرؤى، دون أن يقف، متخذاً من تراثه العربي الأصيل أرضاً صلبة لبناء شعره، موغلاً في دلالته، ساطعاً في اليقين، مبحراً إلى المعنى، مستحضراً الاستعارات الكبرى، يقول:

أمضي إلى المعنى

وأمتصّ الرحيق من الحريقِ

فأرتوي

وأعلُّ

من

ماء

الملام».

ويقول كذلك معلناً حركته، وعدم توقفه، سابحاً في فضاءات المجاز:

وأجوب بيداء الدجى

حتى تباكرني صباحات الحجا

أرقاً

وظامي».

ولهذا فإن بعض شعراء السعودية الحاليين عجزوا عن تجاوز تضاريسه التي أصبحت عائقاً لهم، وهذا العجز ظهر لدى الشعراء منذ جيل مرحلة الثمانينات حتى شعراء ما بعد الألفية الجديدة متخذين من لغته ومجازاته وأسلوبه طريقة لهم فأصبح محمد الثبيتي بمثابة مدرسة شعرية سار على نهجه العديد من الشعراء العرب حتى وإن لم يفصح بعضهم عن ذلك.

  • رئيس قسم اللغة العربية

    بجامعة الطائف