يمثل سيد البيد علامة مميزة وفارقة على خارطة الحداثة الشعرية، وفي رحلته مع الشعر سنجد كثيراً من الدلالات لما يمكن أن يكون عليه الشعر والشاعر أيضاً.

سأذهب في حديثي عن ( الثبيتي) إلى جهتين: جهة الشعر وجهة الشاعر! أعلم جيداً أنه لا يمكن أن يكون هناك شعر عظيم إلا بعد أن يعيش صانع ذلك الشعر حياة مليئة ومتخمة بليل من الهزائم!

نقف عند نقطة لافتة ومهمة عاشها الثبيتي واقعاً وشعراً، وهي معركة الحداثة في الثمانينيات وبالذات معركته الخاصة مع الصحويين الذين ظلوا في عداء شديد معه!

ومن ضمن الاتهامات هي هدم اللغة العربية والرغبة في محو ذلك التراث العربي! وهذا لا يمكن أن ينسحب على شاعر كتب قصيدة (التضاريس) و(تغريبة القوافل والمطر) وهي قصائد توغل في لغة شعرية تذهب بنا إلى عمق الشعرية العربية شعرية أبي تمام والمتنبي والبحتري!

لي

ولَكْ

نَجْمَتَانِ وبُرْجَانِ فِي شُرُفَاتِ الفَلَكْ

ولَنَا مَطَرٌ واحِدٌ

كُلّمَا بَلَّ نَاصِيَتِي بَلَّلَكْ

بهذ الشعر الذي يلامس الروح سطّر الشاعر الكبير محمد الثبيتي حبه للوطن وتعلقه بذلك القرين الملازم للحياة دائماً وأبداً، فالأدب بوصفه القوة الناعمة يذهب إلى تأسيس مفهوم الولاء والمواطنة الحب والانتماء لهذا الكيان العظيم، فرغم ما حدث للشاعر الثبيتي من إقصاء وتهميش في فترة الثمانينيات الميلادية مازال حب الوطن قريناً ثابتاً هاجساً مسكوناً به حباً وانتماء.

ولذلك لابد من الاعتناء بالدراسات الإنسانية والاجتماعية في توثيق المفاهيم الإنسانية كالمواطنة مثلاً، فهذا المفهوم المجرد يجب الاهتمام به من خلال واقع تنموي قائم يتمثل في منجزات عمرانية وثقافة رقمية نشاهدها ونتفيأ ظلالها وأدب وفنون تواكب هذه التطورات تمثل الثقافة رافعتها الأساسية.

وسأذهب الآن إلى الشاعر الثبيتي والذي كنت أشعر أنني ما أن أنتهي من بحثي عن الثبيتي حتى ألملم أوراقي وأنهي المناقشة بإهدائه لي درجة الماجستير ثم أمضي وحدي، ما كنت أعلم أن محمد سيبقى هناك في الذاكرة والوجدان، أمضي معه بشخصياته تلك والتي خلقت عوالم لا تنتهي من الدهشة والفرح والألم والحزن على مبدع ظل هناك في الصحراء يرى فيها ما لا نرى!

لم يعش محمد واقعه فقط، كان يعرض الوجود على شاشة وعيه، يحصي أماكن الألم والوجع، مفصحاً عن وعيه الذاتي بالعالم الكئيب في نظره، فتلتصق بذاته الأشياء ليقدم رؤية شعرية حاربه كثيرون عليها، يتهمونه تارة ويقصونه مرات، ولكنه يظل باقياً وحاضراً في ذاكرة وطن رسمه محمد الثبيتي نفسه. إنه لا ينفك يستحضر الصحراء، وطنه وعشقه الأول الذي رأى فيه المرأة والوطن والعشق.

محمد الثبيتي بقي خالداً وذهب الزمن بشانئيه!!

(ستموت النسور التي وشمت دمك الطفل يوما

وأنت الذي في قلوب الصبايا هوى لا يموت).

سيد البيد

  • كاتبة وناقدة