التاريخ، كما يعتقد ميتشيو، «كان سلسلة طويلة من المفاجآت التي بدت حتمية عند استعادة الأحداث الماضية».

الاقتباس أعلاه يجسد روح هذا الكتاب التاريخي المثير للاهتمام، الذي يعرض بعض نقاط التحول الرئيسة في النزاعات العسكرية وكيف كان النصر في بعض الأحيان نتيجة لأشياء كان من الممكن أن تكون غير مهمة في أي يوم آخر، إن نظرة تأمل وتمحيص في التاريخ العسكري منذ حصان طروادة إلى حرب الخليج، تظهر بوضوح أن الأخطاء والصدف قد لعبتا دوراً حاسماً يفوق في كثير من الأحيان دور الشجاعة والبطولة، وهذا ما فعله إريك دورتشميد في هذا الكتاب، فهو يكشف لنا كما من الصراعات حسمت بفعل تقلبات الطقس العصية على السيطرة، أو الاستخبارات السيئة، أو عدم كفاءة الأشخاص، وكما يعبر عنها بالمصطلحات العسكرية: الحادث الذي حول النصر إلى هزيمة في لحظة تعرف باسم العامل الحاسم، يقدم لنا دورتشميد وصفاً آسراً للفوضى والاضطرابات التي رصدتها نظرته النفاذة، وكمّاً كبيراً من المعلومات التي تدفعنا إلى إعادة التفكير في تلك الأحداث، كما يكشف لنا من معركة، وموقعة، إلى أخرى، عن أثر الأحداث الطارئة في تغيير مجريات المعارك ونتائجها.

يقول المؤلف: «يريدنا بعض المؤرخين أن نصدق أن المعارك تُكتسب ببسالة وألمعية سادة الحرب، ويمنحونهم أوسمة النبوغ عندما يظفرون، يسطرون اسم المنتصر على أنه ذكي والخاسر لا. رغم ذلك ليست هناك وصفة سرية لنهاية معركة مظفرة ما، خلا أنها تعتمد على من يرتكب الخطأ الكبير الفادح، وإذا تكلمنا بتجرد فإن كثيراً من المعارك حسمت بفعل عامل الطقس، الذكاء الحاد أو السيئ. البطولة غير المتوقعة، أو عدم الكفاءة الفردية. قصارى القول حُسمت بعامل لا يمكن التنبؤ به، وهذه الظاهرة تسمى وفق المصطلحات العسكرية العامل الحاسم، ولطالما تورط رجال شجعان في هجومات طائشة حيث لا تصدر الأوامر عن فهم واضح لحالة، إنما عن جهل، ضغينة، أو ببساطة لتحقيق نصر شخصي، فقبل أن ينطلق إلى لقاء جيش السلطان المسلم صلاح الدين الأيوبي سأل ريموند دوتريبولي ملكه الإفرنجي غي دولوزينيان: سيدي اسأل نفسك هذا السؤال: لماذا أريد خوض المعركة؟ أمن أجل مجد أمتي أم لمجدي الشخصي؟»

بهذا القول يريدنا الكاتب أن نتوقف بأصابع الشك والريبة أمام انتصارات كثيرة لم تتحقق عبر الحماسة والشجاعة والبطولة العسكرية، بل يتحدث عن كثير من انتصارات تحققت بالصدفة، التي يعتقد أنها تمثل مع الشك: «أهم وأكثر عناصر الحرب شيوعاً»،

ظل «اريك دورتشميد» مقتنعا حتى آخر سطر في كتابه بأن الغباء القيادي أخطر على مستقبل الشعوب والأمم من المؤامرة والخيانة، فما بالك لو اجتمع الأمران - الخيانة والغباء - على أمة من الأمم كما حصل معنا على مدار حقب عديدة من تاريخنا المثقل بالخيانات والمليء حتى حوافه العليا بغباء التعامل مع الظروف الطارئة والمستجدة.

خالد المخضب