42 - وحكى ابن سلام عن يونس ما جرى بين يزيد الحميري وعَبّاد بن زياد، وكان من حديثه قوله: «وكان على [يزيد] ابنِ مفَرِّغ دَيْنٌ، فأمَرَ عَبّادٌ الدُّيّانَ فاستعْدَوا عليه، فَبِيْعَ مالُه في دَيْنِه، فقضى الدُّيّانَ» (2 / 686)، فعلق محمود شاكر: «الدُّيّان، على وزن جُهّال، جمع دائن، وهو جمع عزيز وجوده في كتب اللغة، ولكنه الأصل في جمع فاعل إذا كان وصفاً، تقول:جُهّال وزُوّار وغُيّاب في جاهل وزائر وغائب. وفي أمالي الزجاجي: فقضى الغرماء، مكان: فقضى الديان، وهما بمعنى». أقول: «جموع التكسير أكثرها محتاج إلى السماع، وقد يغلب بعضها في بعض أوزان المفرد» كما قال الرضيّ (2 / 89). وما قاله المحقق هنا من أن الأصل في جمع فاعل وصفًا هو «فُعّال» نقله عن الرضيّ دون إشارة. ولم يرد «دُيّان» جمع دائن، ولا يصح الاعتماد على لفظ ورد في حكاية في مخطوطة ضعيفةٍ سنداً وكثيرةِ الخطأ والتصحيف. والظاهر أن»الديان» مصحفة من «الغرماء» الواردة في أمالي الزجاجي في نشرتَيْها (نشرة هارون 42، ونشرة الغرب باسم «الأمالي من الفوائد والأخبار»، تحقيق الأستاذ الفاضل محمد خير البقاعي 3 / 1203. وقد أطلعني مشكوراً على موضع النص من نَشْرته التي هي تحت الطبع الآن). وإن صحّت الكلمة فالأولى أن تكون»الدَّيّان» بفتح الدال، أي المسؤول عن تحصيل الديون وقَهْر الناس على ذلك، ويكون المقصود بالضمير في قوله «استعْدَوا»: أصحاب الديون؛ إذْ فُهِمَ المقصود من السياق وإن لم يُنصّ عليهم، وقوله «فقضى الدَيان» أي قضى للناس حقوقهم. هذا أولى من تعسف المحقق وإضافته لكلام العرب ما لا حجة له ولا يُوثَق به، تطلّبًا للإغراب وحبًا في الاستدراك. ولو افترضنا صحة «الدُيّان»(جمع دائن) فينبغي جعلها من المولّد إذْ لا شاهدَ لها صحيحا من فصيح كلام العرب، فلا يصح إضافتها إلى المعاجم الخاصة بفصيح الكلام.

43 - وروى ابن سلام قول زياد في هجاء جَرْم: «ولمّا نُزِّلَ التحريمُ فيها - إذا الجَرْميُّ عنها لا يُفيقُ» (2 / 698)، فعلق شاكر: «رواية اللسان: «منها لا يفيق»، و»عنها» أجود، لأنه أراد لا يفيق منها ولا يقلع عنها، فضمّن الفعل معنى فعلين». أقول: يريد ما ذكره في ص 977 أنه استدرك على كتب اللغة: «أفاق عنها» بمعنى هجرها، وهنا أمور؛ أولها: هذا من تخليطه -كما سبق ذكره- بين مقاصد المعجم ومقاصد النحو والأساليب، فكتب اللغة ذكرت: «استفاق من مرضه ومن سُكْره وأفاق بمعنى [واحد]..، الاستفاقة: استفعال من أفاق إذا رجع إلى ما كان قد شغل عنه وعاد إلى نفسه»، وليس عليها وراء ذلك الخوض في أساليب الكلمة التي تتنوع بتنوع مجازاتها من تضمين وحذف وزيادة ونحو ذلك، فهذه صنعة النحوي والبلاغي.

والثاني: أنه جرى هنا على عادته من التحكّم في التفسير إذْ يُعبِّر عن المعنى بلفظ معين لا يوجد بحرفه في كتب اللغة ليدعي خلوّها من المعنى فيستدركه بزعمه! وسبق لهذا نظائر. ولا أدري هل يفعل ذلك تدليساً أو أنه من كثرة تَتَبُّعه ظنونَه وخيالاتِه صار جريئاً لا يبالي بما يقول. والثالث: أنه أخطأ في تفسير لفظ الإفاقة هنا بالهجران، فإن تعدية «أفاق» بعَنْ تفيد معنى الانصراف، لأن انصرف تُعدّى بعَنْ، لكن الهجران يعني الصَرْم والقطيعة فهو أبلغ من مجرد الانصراف، فقد ينصرف الإنسان عن الشيء ثم يعود إليه، بخلاف الهجران فهو انقطاع طويل. وهذا يؤكد ما سبق ذكره من وجوب الحذر والتثبت من تفسيرات الرجل في تعليقاته ومقالاته خصوصاً ما يَسُوقه نقدًا لتفسيرات بعض اللغويين أو شراح الأدب، فلا يُرْكَن إليه إلا بعد تثبت ومراجعة .

44- وروى ابن سلام بيت عَدِيّ بن الرِقاع في مدح عبدالملك بن مروان: «تَظَلُّ القنابلُ يَكْسُونَهُ - رِواقًا من النَقْعِ لم يُطْنَبِ» (2 / 706)، فعلق شاكر: «طَنَّبَ الخباء (بتشديد النون رباعياً):مدّه بأطنابه وشدّه. وأما «طَنَبَ» ثلاثيا فلم تذكره كتب اللغة، وهذا البيت شاهد عليه». أقول: لم يُذكر في كتب اللغة «طَنَبَ» مخففا كما قال، ولكن عدم تشديده في القافية هنا لا يصلح دليلاً على استعمال العرب «طَنَبَ» ثلاثياً، لاحتمال أنه خفّفه لأجل الوزن، بل هذا هو الظاهر، لأنه لم يرد إلا في الشعر، وربما في هذا البيت فقط . وهذه كوفيّةٌ من المحقق سبق لها نظائر؛ لا يميز بين مطرد وشاذ، ولا بين ما هو من لغة السَعَة وما هو من ضرورات الشعر، فيخترع لفظاً ويدخله في كلام العرب بناء على ضرورة شعرية خاصة بموضعها، والضرورات تُقَدّر بقدرها كما يقال.

  • أكاديمي متخصص في اللسانيات الثقافية
د. خالد الغامدي