قبل عدة أيام، عادت «الحياة عن بعد» لمدارسنا الافتراضية، ليتحلّق طلابنا وطالباتنا حول أجهزتهم الذكية وحواسيبهم الإلكترونية لمتابعة دروسهم وواجباتهم، والتفاعل المباشر مع المعلمين الذين يشرحون «الدروس عن بعد»، وكل ذلك يتم بشكل رائع وسلس، تماماً كما لو كان الأمر يحدث بشكل طبيعي منذ سنوات، وليس مجرد سنة استثنائية بسب جائحة كورونا التي كانت السبب المباشر في حدوث أكبر انقطاع/انتظام في التعليم في العالم على مر التاريخ.

لقد تسببت جائحة كورونا بإلحاق الضرر في قطاع التعليم في العالم بشكل غير مسبوق، فقد تضرر أكثر من مليار ونصف المليار طالب وطالبة في أكثر من 190 بلداً في كل القارات، وتم إغلاق تام للمدارس بنسبة تزيد على 94 ٪؜ على مستوى العالم، وثمة خوف شديد من أن يفقد أكثر من 23 مليون طفل وشاب فرصة الالتحاق بمدارسهم في العام المقبل نتيجة الآثار الاقتصادية لهذا الوباء الخطير.

أما الكتابة عن مستقبل تعليمنا الوطني بعد جائحة كورونا التي ستكون مجرد ذكرى أليمة بعد مدة، فتحتاج للكثير من المقالات والدراسات، لكنني سألتقط عدة مكتسبات وتحولات في تعليمنا الوطني نتيجة اعتماد طريقة «التعليم عن بعد»:

النجاح الكبير لأسلوب «التعليم عن بعد» في منظومتنا التعليمية في ظل جائحة كورونا، يجب أن يستمر حتى بعد زوالها، ولكن بضوابط وآليات وأوقات تُحددها وزارة التعليم، فالتعليم بهذا الأسلوب أثبت فاعليته ونجاحه ويستحق أن يكون ضمن خطط واستراتيجيات التعليم. كذلك «التعليم عن بعد» أتاح الفرصة للطالب لأن يكون هو محور العملية التعليمية بشكل حقيقي وواقعي، فقد أصبح هو المسؤول عن تحضير وتجهيز ومتابعة دروسه ومنصته الإلكترونية، إضافة لقدرته على التعامل مع الأنماط والأساليب الحديثة في مجال التعليم. أيضاً، «التعليم عن بعد» كشف الكثير من المشكلات والتحديات التي يواجهها الطالب في «التعليم الحضوري»، صعوبات وتحديات في الطابور الصباحي والمقصف المدرسي والقاعات الدراسية والمناهج والواجبات وغيرها من التحديات التي نجح «التعليم عن بعد» في تجاوزها. وهذا الأسلوب الحديث من التعليم هو تعليم عابر لبعدي الزمان والمكان، وهو تعليم يُحلّق في سماوات وفضاءات لم تكن متاحة في التعليم الحضوري التقليدي، والأمثلة كثيرة جداً على ذلك كالتعليم عبر الحدود»Cross-Border Education»، والتعليم المفتوح «Open Education». كما ساعد «التعليم عن بعد» على استخدام تقنيات المعلومات ووسائط الاتصالات، الأمر الذي عزز ثقافة التعليم الإلكتروني والقاعات الافتراضية والتعليم المدمج وغيرها من الطرق والاستخدامات. كما يُعتبر «التعليم عن بعد» أحد أهم الأساليب/الحلول الحديثة التي تُسهم في تنظيم النفقات المليارية التي تُصرف على التعليم التقليدي.

«التعليم عن بعد» هو مستقبل التعليم في العالم، ولكن هذا التحوّل الكبير يحتاج للكثير من الإجراءات والإصلاحات المهمة في منظومة التعليم بأكملها.