تناول المستشار النفطي الدولي، والرئيس السابق للوفد السعودي في اتفاقيات الأمم المتحدة للمناخ، د. محمد الصبان، ضمن محاضرة قدمها مؤخرا عن بعد، بعنوان (مهارات التفاوض الدولي في مجال الطاقة.. وما يتعلق بها)، والتي جاءت بناء على دعوة معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعض التجارب التي خاضها في التفاوض الدولي، ومهارات التفاوض الدولي التي يجب أن يتسلح بها المفاوض الخليجي ووفودنا الخليجية في مجال المناخ والطاقة والنفط والوقود الأحفوري، حيث وصف المراحل المقبلة "بالأصعب" لان تأثيرها سيضاعف الآثار السلبية على دول الخليج، في ظل استهداف النفط دون غيره بمزيد من الضرائب، واستمرار إعانة الفحم ومصادر الطاقة الأخرى. 

وقال الصبان، الذي كان يقود مفاوضات المناخ في الأمم المتحدة والتي تمس الوقود الأحفوري والنفط بالتحديد، أنها تهدف ظاهرياً حماية المناخ والغلاف الجوي من الانبعاثات من غازات الاحتباس الحراري بشكل شامل لكل القطاعات، والناتجة بعضها عن الوقود الأحفوري، إلا أن الدول الصناعية ومن خلال تكثيف حملاتها، والضغط على الدول النامية، تحيزت وجعلت من اتفاق باريس للمناخ المبرم في 2015، اتفاق طاقة مقتصرا على غاز ثاني أكسيد الكربون في قطاع الطاقة فقط. 

يقول في تجربته إنها بدأت منذ العام 1989، عندما طلب منهم تمثيل المملكة في اتفاقيات اللجنة الحكومية لتغيير المناخ التي كانت تعقدها دورياً الأمم المتحدة، حينها شعرنا أن هناك لعبة كان المجتمع الغربي يريد تمريرها على المجتمع الدولي لأن يصل إلى أهدافه، وصارعنا في المفاوضات والاجتماعات من تحقيق التقليل من حدة وتحيز تلك التقارير التي كانت على وشك الصدور، وكانت مبنية على تسييس علم المناخ، ليأخذ اتجاهه في محاربة النفط بالتحدي. 

وأضاف، صمدنا أكثر من ربع قرن أمامهم مطالبين بعدم تمرير عبء مواجهة تغير المناخ على دولنا النفطية، وسهرنا الليالي كوفود خليجية نجاري المنطق، ونحارب التحيز باعتراف صحفهم، والتي أسمته عرقلة للمفاوضات، وكانت توجيهات القيادة السعودية لنا، بضرورة وقف التحيز وحماية مصالحنا النفطية. 

وأشار أن ذلك التحالف ضد النفط بدأ منذ فترة السبعينيات إبان محاولة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- قطع إمداد البترول بسبب قضية فلسطين، حيث حاولت الدول الصناعية عدم الاعتماد على الواردات النفطية، مبررين أن النفط يأتي من منطقة غير مستقرة سياسياً، ومرة يقولون أن النفط يأتي من دول تدعم الإرهاب، وأخرى أن انبعاثات النفط والوقود الأحفوري يؤثر على كوكب الأرض وصحة الإنسان بارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي، ونسوا أن تغير المناخ يحدث منذ ملايين السنين على هيئة دورات مابين عصور جليدية وأخرى حرارية. 

وأبان أن عدم وجود مفاوضين خليجين أقوياء أو خمول من بعض الدول الخليجية في حضور جلسات المفاوضات الدولية كان يفوت علينا الفرصة في إدراج مصالح الدول الخليجية ويؤدي إلى موقف محرج في التطبيق كما في (المناخ، التجارة الدولية.. وغيرها من الاتفاقيات).  

وألمح أن انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من بعض الاتفاقيات خلال فترة الرئيس دونالد ترمب مثل اتفاقية باريس للمناخ والتي وصفها "بغير العادلة، وتؤدي إلى تدمير موارد الولايات المتحدة من النفط والغاز والفحم"، وخروج أميركا في اتفاق باريس أدى إلى وضعها في غرفة الإنعاش، ولكن الرئيس الأميركي الجديد جون بايدن وعد بالعودة من جديد لهذه الاتفاقية. 

وفي قمة الأرض في ريو دي جانيرو بالبرازيل أوضح الصبان، أنها حملت تباين بين الدول النامية والصناعية حيث اتضح أن وعود الدول الصناعية في تقديم المساعدات المالية والتكنولوجية كانت ولا زالت وهمية، لذا كان هذا ولا يزال هو محور اهتمام الدول النامية، وكانت الدول الصناعية تخبرهم بأنه بالإضافة للأموال التي سيحصلون عليها، فإن وارداتهم من النفط ستنخفض بشكل كبير. 

وتحدث عن مفاوضات برتوكول "كيوتو" في العام 1997 واستمرار التفاوض 72 ساعة دون نوم أو راحة، بهدف التوصل إلى برتوكول يكون أكثر تحديدا في القضاء على الوقود الأحفوري والنفط على وجه الخصوص، حيث كانت تذرع دموع مفاوضو الدول الصناعية في أن الطاقة النووية آمنة ولاتسبب انبعاثات ويجب التوسع فيها بعكس النفط والوقود الأحفوري وكانوا ولازالوا يدعمون الفحم لامتلاكهم احتياطيات كبيرة منه، ثم طالبوا بوجود الضرائب الكربونية والتي اقتصرت في التطبيق على النفط فقط دون الفحم الذي يساهم بشكل أكبر في المناخ.  

وتطرق الصبان إلى الفضيحة العلمية المشهورة "فضيحة المناخ ClimateGate"، والتي ظهر فيها تسيس العلم وتغيير حقائقه لتأكيد أن دور النشاط الإنساني هو ما يسبب تغير المناخ، وكل هذا مثبت وإلى الآن وإن حاولوا تكذيبه، وقال إنه في قمة المناخ التي عقدت عام 2009 في كوبنهاجن، كان بعض رؤساء الدول الصناعية يقولون أمام الآلاف ممن حضر القمة، أن هذه المفاوضات تقودنا إلى تقليص اعتماد العالم على النفط. 

وطالب الصبان، من الدول الخليجية للاستمرار بقوة في المفاوضات أن يكون هناك استمرارية في المفاوضات وعدم تغيير الأشخاص، أيضا ضرورة اختيار المفاوض المهتم ذو النفس الطويل ومحاسبته بعد العودة من الاجتماعات، ويجب أن ينتهي التمثيل الرمزي الذي كنا عليه في الماضي والمتمثل في حضور وفود تأتي للاستماع وجمع الوثائق فقط، ولابد من وجود حافز فردي أساسه المصلحة الوطنية الخليجية. 

واختتم الصبان، بالتأكيد على أن الإسراع في تبني الوحدة الخليجية والتحول إلى تطبيق الاتحاد الجمركي، يعطي الفرصة للأمانة العامة لدول الخليج للتفاوض الجماعي، مثلما يحدث مع الاتحاد الأوربي، ويزيد من القدرة التفاوضية لدولنا النفطية، فالقادم أصعب، ولا مجال للتهاون في حماية ثرواتنا من النفط والغاز في الوقت الذي لا نعارض فيه الطاقة المتجددة للاستخدام الخليجي مثل الطاقة الشمسية والرياح.