صديق عزيز كان يقول هذه الكلمة التي أضحكتني، فكلما تحادثنا وانتهى الحوار أو قطعه شيء قال: فاصل ونواصل، وذهب كل منا في سبيله.

العبارة مأخوذة من البرامج التلفازية، حيث ينقطع البرنامج في فترات معينة لبث الدعايات، وتأتي العبارة لتحثك على مواصلة المشاهدة والمكوث ريثما تنتهي.

لنتأمل أولا هذا الفاصل: إنك تتوثّب بين الأشياء، فمن مسلسل إلى دعايات إلى المسلسل إلى دعايات أخرى إلى مذيعة إلى الأخبار إلى فيلم، بتسارع، يتقافز تركيزك كالأرنب، وهذا مدعاة للتفكير بل الأسى كما يقول المفكر نيل بوستمان في كتابه «ترفيه أنفسنا حتى الموت»، فالمذيع يقرأ نشرة الأخبار المشبعة بالمآسي والكوارث، ثم تنتقل إلى مسلسل، في فصلٍ عجيب بين الألم والترفيه، بين الواقع والخيال، نتأثر لحظات ثم نضحك لحظات، وكأن المعاناة الإنسانية قد اختُزِلت في بضع دقائق تتابعها بألم وبكاء ثم تنساها بعد فاصل يقول: والآن تشاهدون مسلسل كذا وكذا.

هذا الفصل في التلفاز يثير الاستنكار، لكن ما تريده هو أن تقدر أن تفصل بين الأمور في الواقع، في داخلك، في قلبك. ماذا يحصل في مزاجك عندما تمر أو تمرين بموقف مشحون بالمشاعر المتوترة كخلافٍ ساخن؟ تغلي مشاعرك لفترات مطولة لا تبدو معقولة، المزاج متألم أو ساخط أو متوتر مهما فعلت وتشاغلت. لعل هناك اختبار أو مقابلة أو مواجهة أو فرصة قادمة، تشعر بالقلق، تصطلين بالتوتر وتضطرمين به، حتى إن هذا يفسد اللحظات الجميلة الحاضرة مثل كوب قهوة أو جلسة مع أحباب وأصدقاء، تتمنى أن توقفها ولو قليلا لتستمتع بتلك الدقائق القليلة، تتمنين أن يتجمد كل شيء يشغل بالكِ ولو قليلا. هنا يرغب الشخص أن يوقف تيار المشاعر هذا ولو لحظات ليرتاح من انهماره الحِممي.

لعل ذلك يأتي بالتمرين، إذا حاولت تعويد نفسك أن تتغافل لدقائق عما يشغل بالك وتنغمس في اللحظة الحاضرة فربما تفصل بين المشاعر ولو قليلا، تستطيع أن تقول لها أخيرا: «فاصل ونواصل»، مثل ما يقول صديقي، واسمه بالمناسبة.. فيصل!