الرواية تثير تساؤلاً مبطناً حول "نحن" و"هم"، فكل ما يأتي من دول الكفر فهو كفر، هذا الإصرار لرفض أي علم يأتي من الآخر جعل الإمبراطورية العثمانية وبالطبع جميع المناطق التي كانت تحت سيطرتها تدخل في مرحلة عصور الظلام..

يدفعنا الروائي التركي «أورهان باموق»، الذي درس العمارة والمولود في العام 1952م والحاصل على جائزة نوبل في العام 2006م، إلى جدل عميق حول أسباب التخلف الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي اليوم، ففي روايته «القلعة البيضاء» تتجسد المشكلة بشكل واضح في الحوارات التي كانت تدور بين «الخوجة» (المعلم) وبين العبد الإيطالي البندقي المولد الذي استخلصه لنفسه عندما لاحظ مقدار الشبه الكبير بينه وبين هذا الإيطالي، معظم أحداث الرواية تدور في إسطنبول بالقرن السابع عشر، أي في الفترة التي بدأت فيها الدولة العثمانية في الضعف والانكماش نتيجة لسكون العقل العملي، وصعود الدول الأوروبية التي سارت على درب العلم ومكنت العقل المعرفي من شؤون الحياة منذ عصر النهضة الإيطالي في منتصف القرن الخامس عشر. «الخوجة» كان يلاحظ هذا التردي الذي عليه وضح الإمبراطورية، وكان لديه حدس عميق ينذره بالسقوط في المستقبل. لذلك فقد كان يرى أن الحل الوحيد الذي يمكن أن ينقذ الدولة هو السير في نفس الطريق الذي سارت فيه أوروبا وتبني العلم بدلا من الانغماس في المسلمات والغيبيات ووأد العقل، ومع ذلك باءت محاولاته بالفشل، فقد كان معلما للمدرسة الابتدائية وحاول أن يعرض اختراعاته على طلاب المدرسة فوجد أن الطلاب «مهتمون بالملائكة أكثر من النجوم»، إذاً نحن أمام «العقل المجتمعي» الرافض للعلم والمنطق.

يصور العبد الإيطالي، القادم من بيئة علمية منفتحة والذي أصبح شريكا للخوجة في همومه العلمية، الصورة القاتمة التي كان عليها وضع «العقل المعرفي» العثماني في تلك الفترة ويقول: «لم يكن لدينا في السنوات الأولى أي محور جوهري لعلم الفلك والجغرافيا أو حتى العلوم الطبيعية، وتلك الساعات والأجهزة ونماذج وسائل الإيضاح ملقاة بإهمال في ركن اعتلاها الصدأ منذ فترة طويلة»، وكأنه يقول إن العقول كانت صدأة ولم يعد هناك أمل أن يتغير الحال، كون ثقافة الإمبراطورية بأكملها تجمدت واستحالت إلى السكون، وهو الأمر الذي ينذر بسقوطها عاجلا أم آجلا. كان رأي الخوجة هو الاستسلام بشكل كامل واتباع نهج من يتم الاستسلام لهم وهذا يتطلب قرون أصلا للحاق بهم، وبالطبع كان هذا الرأي المتطرف نوعا ما غير وارد أصلا في العقل المؤسسي العثماني في تلك الفترة.

تظهر الأحداث هذا العقل الساكن، فتبدو إسطنبول الراكدة معرفيا المستسلمة للأقدار بائسة جدا عند تفشي مرض الطاعون دون اتخاذ أي تدابير أو مراقبة للوباء، بينما يقوم الخوجة بمحاولة لإنقاذ المدينة من هذا الوباء بمساعدة معاونه الإيطالي، فأشار على السلطان البدء في عملية العزل والحظر وعدم السماح بالتجمعات حتى تم القضاء على الوباء. ورغم أن هذه الإجراءات يدعو لها الشرع الإسلامي إلا أنه كانت هناك حالة استسلام غريبة دون أي رغبة في إعمال العقل الذي كان يغط في سبات عميق. المنهج العلمي الذي اتبعه الخوجة وتابعه الإيطالي أثار انتباه السلطان لكنه كان يعتبر ذلك العمل نوعا من التنجيم، وهذا ما جعله يعين الخوجة منجما للسلطان بدلا من أن يمكنه من بناء المرصد الفلكي ودار العلوم التي كان يحلم بهما.

الرواية تثير تساؤلا مبطنا حول «نحن» و»هم»، فكل ما يأتي من دول الكفر فهو كفر، هذا الإصرار لرفض أي علم يأتي من الآخر جعل الإمبراطورية العثمانية وبالطبع جميع المناطق التي كانت تحت سيطرتها تدخل في مرحلة عصور الظلام، والأكثر غرابة أن إسطنبول في تلك الفترة (القرن السابع عشر) كانت تعج بالسفراء من دول أوروبا، بينما لم يكن هناك أي سفير عثماني في تلك الدول. كانت دراما الأحداث تدفع إلى النهاية المأساوية لأحلام الخوجة العلمية، فقد كان يغرد في بيئة لا تحفل بالعلم ولا تلتفت له. ومع ذلك فقد استجاب السلطان لمطلبه بعد إلحاح شديد لبناء سلاح فتاك تواجه به الإمبراطورية أعداءها الأقوياء المتربصين بها. وبعد مضي عدد من السنوات تم بناء هذا السلاح الذي كان كل المحيطين بالسلطان رافضين له، لذلك فقد ترك يغرق في الوحل عند أو مواجهة أمام القلعة البيضاء البولندية في إشارة إلى أن السماح ببناء السلاح لم يكن عن قناعة حقيقية ولم يكن نابعا من منظومة علمية تولد وتتبنى الأفكار الجديدة.

يبدو أن «باموق» في تسجيله للأحداث كان يغوص في الأسباب الكامنة وراء تداعي الإمبراطورية العثمانية، ففي القرن السابع عشر مازالت الإمبراطورية في عنفوانها لكن سرعان ما هزت هزيمة «فيينا» أركانها، فبدأت بالتراجع بشكل سريع لأن العقل العلمي والمعرفي كان خارج حسابات مؤسسات الدولة وبالتالي أصبحت كيانا ضعيفا ومريضا كما أسموها الأوروبيون بعد ذلك، مقارنة بالتصاعد المعرفي الأوروبي فبعد قرن حدثت الثورة الصناعية ومازال العقل العثماني في سبات عميق لذلك لم يكن هناك مفر من السقوط المريع.