يأمل الجميع من هذه القمة الاستثنائية أن تقدم صورة جديدة لشعوب المنطقة تساهم في إرساء عصر جديد من العمل المشترك لدول المجلس، فهي قمة تفتتح العام الجديد لتتحدى الجائحة وقبل ذلك الخلافات البينية، وتقول للعالم إننا قادرون على تجاوز جروحنا وبناء مشهد جديد لهذه المنطقة المؤثرة..

يبدأ العام الجديد باجتماع قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في العلا بالمملكة العربية السعودية، إنها بداية ملفتة للنظر بعد عام صعب هيمنت عليه جائحة "كوفيد 19"، البداية من مكان ساحر مثير ربما لا يخطر على بال كثير من الناس وجود مثل هذه الفضاءات المدهشة في المملكة. في البداية، القمة التي ستعقد الثلاثاء المقبل ليست قمة عادية، بل هي بداية لعصر جديد لمجلس التعاون يفترض أن يقوم على مبادئ واضحة تكفل لأعضاء المجلس العمل المشترك والتكامل، إنها بداية لمصالحة قائمة على أسس متينة تجمع الأخوة في هذه المنطقة المهمة والمؤثرة على أسس متينة تتناسب مع معطيات وظروف الفترة الراهنة التي يعيشها العالم، وتضمن عدم ظهور أي خلافات في المستقبل، ورغم أن المصالحة الخليجية في حد ذاتها ليست بالمسألة السهلة وتحتاج إلى مصارحة وشفافية، إلا أنها ممكنة في هذه القمة التي يرأسها خادم الحرمين الشريفين -يحفظه الله- بما عرف عنه من حكمة واسعة وقدرة على التجاوز وفتح آفاق لا حدود لها من العمل المشترك، الظروف مهيأة والمنطقة تنتظر بلهفة لقاء القادة واتفاقهم على خارطة طريق واضحة للمستقبل.

مكان انعقاد القمة مفاجأة في حد ذاته، فهو مكان يحرك المشاعر ويظهر ما تختزنه المملكة من ثروة ثقافية وآثارية ضخمة، فهو في قلب عاصمة الأنباط وبالقرب من مدائن صالح التي تشير إلى حضارة ثمود، أول من بدأ في نحت الجبال وتوظيفها كبيوت، يقول الله تعالى: "وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِين"(الحجر: 82). وانعقاد هذه القمة في هذا الموقع المدهش من حيث تكوينه الطبيعي ومن حيث طبقاته التاريخية، له دلالات متعددة تبدأ من تذكير العالم أجمع أن دول مجلس التعاون اللاتي تنتمي جميعاً إلى أرض الجزيرة العربية لها عمقها التاريخي الذي يمتد لآلاف السنين، فهي اليوم تلتقي على أرض الحضارات التي شكلت منفذاً مبكراً للهجرات الإنسانية التي تشكلت منها الحضارات الكبرى، نجتمع في هذا المكان المرجعي لنتجاوز خلافاتنا المؤقتة ونعود للجذور التي تجمعنا، التي تمثل أحد المراجع المهمة التي توحدنا وتدفعنا إلى التجاوز والصفح ونسيان خلافات الماضي.

الدلالة الثانية هي التحول الثقافي الكبير الذي تعيشه المملكة في تعاملها مع المواقع التاريخية، فمدائن صالح هي أول موقع في المملكة تم تسجيله على لائحة التراث العالمي، وتعد هذه المنطقة قلعة الآثار في المملكة، فقد سبقت الحضارة اللحيانية الأنباط وقبلهم جميعاً ثمود، ومازالت مواقعهم صامدة حتى اليوم، هذه الدلالة لها بعدها الذهني الذي ساهم وسيساهم في تغيير الصورة الذهنية العالمية عن المملكة ودول الخليج العربية بشكل عام، وإذا ما ركزنا على مسألة الصورة الذهنية الثقافية لدول المنطقة، ذلك أنه طالما كانت الصورة التي ترسم عن هذه المنطقة بأنها مجرد صحراء يوجهها "البترودولار" وتخلوا من أي جذور تربطها بالحضارة الإنسانية، إذاً اختيار موقع القمة بهذه العناية يمثل رسالة للعالم، ليقول لهم: إن ما ترونه مجرد بداية وانتظروا المزيد في المستقبل.

وبالطبع هناك دلالة اقتصادية، فالمكان يثير الخيال، فهو إلى جانب قيمته التاريخية الفائقة، يعد أحد المواقع الطبيعية المتفردة على مستوى العالم، إنها إشارة مبطنة إلى استعداد دول المنطقة وعلى رأسهم المملكة لعصر ما بعد النفط، فتعزيز الوجهات السياحية المتنوعة ووضعها ضمن أولويات التنمية يعبر عن الهاجس التنموي المقبل لدول المنطقة التي عرفت بقيادتها لأسواق الطاقة في العالم خلال العقود الأخيرة، إنها قمة تشير إلى أن المنطقة تملك مخزوناً سياحياً وطبيعياً ضخماً سيجعلها إحدى الوجهات الأولى على مستوى العالم، إن هذه الدول عاقدة العزم على تطوير بنيتها السياحية التحتية والفوقية لتحقيق هذا الهدف.

يأمل الجميع من هذه القمة الاستثنائية أن تقدم صورة جديدة لشعوب المنطقة تساهم في إرساء عصر جديد من العمل المشترك لدول المجلس، فهي قمة تفتتح العام الجديد لتتحدى الجائحة وقبل ذلك الخلافات البينية، وتقول للعالم إننا قادرون على تجاوز جروحنا وبناء مشهد جديد لهذه المنطقة المؤثرة، وأنها مستمرة في تأثيرها، إنها قمة المصالحة والتكامل، أو يفترض أن تكون كذلك.